فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 58

-لا تتعامل مع الحياة بالأحزان، وإنما بالقوة، القوة المنطلقة من الفكر الذي يعرف ما يصح وما لا يصح، وبدون ذلك ستجد نفسك أيها الوغد هدفًا لهجوم كل الآخرين الذي لا يدفعون ثمن فقدانك للزمن، لأن همهم أن يأخذوا... يأخذوا؟... بل يسرقوا منك ما يريدونه.

الحق أقول أن العم كمال تحول، أول مرة في حياته، إلى ما يشابه الفيلسوف، وهذا ما جعلني أحس بالحزن العميق، إذ ما قيمة فيلسوف على وشك الموت؟. جاءني صوته دافئًا جدًا:

-هذا ما حدث لجدك الطيب الذي ترك تجربته الحياتية وراء ظهره ووثق بما يقوله المعلمون في المدارس...

لكن المعلمين في المدارس يقولون الحقيقة إذا كانت مستندة إلى العلم

-هذا صحيح أيها الوغد.

-أين الخطأ إذن؟

-لا تقاطعني مرة ثانية حين أتحدث، وتذكر دائمًا أنني عمك أيها الوغد. بل يا وغد الأوغاد. عليك أن تفهم أن ليس كل حقيقة علمية تجرى في مختبر صالحة أن تخرج إلى الشارع وتعيش بين الناس.

-لم أفهم.

-حسنًا تفعل،.. دعني أتحدث بدون اعتراضاتك السفيهة... أنا حين أقص عليك هذه الأحداث عن أخوالك، فلأنهم نوع غريب من البشر، نوع له نسيجه الخاص الذي لا يشبه أي نسيج.... إنهم بعبارة وافية المعنى قطاع طرق...

-قطاع طرق مرة أخرى؟

انفجر العم بصوت ملعلع:

-أمرتك ألا تقاطعني، وها أنت تفعل ذلك.

وطنت النفس على الصبر الذي توصي به السماء قبل الأرض.. ينبغي علي أن أسمع كل مايقوله العم كمال عن جدي الطيب.. قال العم حين لمس مني الطاعة:

-ابن خالك عبد الزهرة.. مااسمه؟

-أيهم؟... الكبير أم الصغير؟

-الصغير عليه اللعنة سبع مرات.

-محسن.

ابتهج العم كمال وقال:

-محسن هذا حين وصل إلى السادس الابتدائي درسوه في مادة العلوم ضغط الهواء من الأعلى إلى الأسفل.. لم يكتفوا بذلك، بل أخذوه إلى المختبر وأجروا التجربة أمامه.. عقله الصغير لم يستوعب الأمر واعتبر كل ذلك نوعًا من السحر. وفي غرفة أمه في بيت الجد الكبير أعاد التجربة، عندئذ طرحته أمه أرضًا وأطلقت النواح.. هرعت إليها الجدة والأخوات، ورأين الزجاجة والبيضة المسلوقة في داخلها. تلكم الجاهلات كيف يفهمن كلام الصغير محسن عن ضغط الهواء من الأعلى إلى الأسفل؟

-ساحر.. هذا الصغير ساحر.. الويل لنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت