فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 58

الاضطراب الذي عصف بالعائلة سرعان ما خمد أمام إصرار وعناد الخال بهجت. اضطر الجد أن يقبل التركية في عائلته حين تأكد أنها تتحدث بالعربية، إلا أن هذه التركية كانت تشبه الخال بهجت من ناحية التأنق، عندئذ علمت نساء العائلة كيف يضعن الأصباغ على الأظافر، والألوان في الخدود والجفون. في يوم من الأيام دخل الجد البيت، ثم أسرع خارجًا، معتقدًا أنه دخل في بيت آخر، غير أن نساء العائلة ركضن وراءه وسحبنه إلى البيت. في البارحة تدفق البخار خارجًا من عينيه.. قال:

-أين أنا؟... هل حولتن بيتي إلى ملهى؟.. أين أغطية الرؤوس؟... يا أيها الرب الذي فوق.. قصصتن شعوركن؟... أعطوني البندقية.

قيل أن الجد دق عظامهن دقًا، ولم تسلم التركية من عصاه، غير أنها ظلت واقفة على قدميها أمامه. ثم دق عظام أولاده وأحفاده جميعًا، وخلال لهاثه خاطب الخال بهجت:

-خذ تركيتك واخرج من بيتي.

خرج الخال بهجت مع التركية من بيت العائلة الكبير ولم يعد إليه أبدًا. منذ ذلك اليوم أصبح هذا الخال الشوكة الدامية في قلب الجد، والغصن الذي تفتحت أوراقه في مكان آخر... لم يعد يذكر أباه وأمه أو أشقاءه. ظل مندفعًا في عالم الأناقة والحياة المترفة، وساعدته التركية في ذلك كثيرًا. سكن منطقة السبع قصور الراقية في العمارة. رزقته التركية ثلاث بنات وولدين أصبحوا حديث المدينة لوسامتهم وأناقتهم، ولحقت بالجد أكبر هزيمة حين خرجت حفيداته سافرات في شوارع المدينة. حاول أن يتدخل مرة أخرى، لكن عناد الخال بهجت جعله ينسحب بسرعة. وبمرور السنوات نست عائلته أن لها ابنًا اسمه بهجت، كما نست أيضًا عائلة الجد التي شاركت العوائل الموسرة تقاليدها الاجتماعية التي تنظر إليها عائلة الجد بشك وريبة. توقف العم كمال عن الحديث ليسألني:

-هل تعرف أن الدم لايمكن أن يضيع؟

-ما معنى هذا السؤال؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت