منذ تلك الليلة قرر الجد أن هذا الولد هو اللعنة التي أسقطها الرب فوق رأسه مدى الحياة.. وتحققت نبوءة الجد هذه.. فقد شب الخال بهجت وكأنه غرس غريب في العائلة.. كان لايشبه إخوته الذين ولدوا قبله، ولا إخوته الذي ولدوا بعده. كانت تصرفاته وسلوكه يوحيان بأنه لم يلد ويترعرع بين الجداول وتحت أشجار النخيل.
كان نظيفًا، أنيقًا في تصرفاته وملابسه إلى الحد الذي تحاشى إخوته الاصطدام به لئلا يحطموه، إذ تولد لديهم انطباع أن أخاهم هذا مصنوع من الزجاج. كان الوحيد الذي يتعذب بصمت هو الجد، غير أنه كان ينفجر بين فترة وأخرى:
-هذا الولد سافل حقيقي.
-يا عم..
-هذا ماكان يردده المرحوم جدك. ولقد أثبت الخال بهجت أنه ولد ليكون أميرًا، ففي شبابه ازداد وسامة.. وضع الزيت في شعره، وكذلك العطور، وبات محط أنظار فتيات المدينة.. إن دزينة أو أكثر طارحنه الغرام، وعندما علم الجد بذلك، قيل أن الجميع فر من البيت إلا الجدة التي ذرفت الدموع على ولدها الذي تحطمت على جسده أكثر من عصا. وقرر الجد:
-هذا الحمار الجميل الذي هو ولدي يجب أن يتزوج.
وقال الحمار الجميل:
-لا... سأكمل دراستي أولًا.
تلقى الخال بهجت كل عقوبات أبيه بصبر عجيب... آمن إخوته أن جلد أخيهم جلد جاموس حقيقي، وشعروا بالأسف الذي تحول إلى ألم ممض، لأنهم لم يشبعوه ضربًا عندما كان صغيرًا بسبب اعتقادهم الخاطئ، إنه مصنوع من زجاج. ومرت السنوات وأنهى دراسته وتعين موظفًا في المحكمة الشرعية. دار الجد حول رغبته القديمة عدة دورات:
-يجب أن يتزوج.. لا أريد أن يجلب لي الفضائح هذا الحمار بسبب وسامته.
إلا أن الخال بهجت كان يرفض باستمرار. ثم جلب الفضيحة أو المصيبة، لافرق..
-يا عم إنك تسيء لشخص خالي بهجت الذي رحل عن هذا العالم. واصل العم كمال حديثه متجاهلًا ماقلته:
-في عام من الأعوام كثر سفر الخال بهجت إلى بغداد، وفي إحدى سفراته عاد ومعه امرأة ذات شعر أشقر. في البدء، ظن الجد أن الخال جاء بكلب كبير معه، إلا أن الخال بهجت قال أمام كل العائلة:
-هذه زوجتي.
الجدة ضربت صدرها بكلتي يديها، وتساءل الجد بهدوئه الذي يسبق غضبه دائمًا:
-زوجتك؟
-نعم.
-ولماذا شعرها أصفر وعيناها زرقاوان؟
-لأنها تركية.
قيل أن سكان أطراف المدينة سمعوا صوت الجد الملعلع:
-تركية؟... أنا سيكون أحفادي من الأتراك؟
-لنتفاهم يا أبي...
-دعني أجد العصا أولًا وسنتفاهم بعد ذلك.