فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 58

هاجمني الخوف، فتعابير العم كمال تبدلت خلال ماكان حانقًا.. انقلب لون وجهه إلى الأحمر القرمزي، وحين قفزت لأستنجد بأحد الأطباء، أوقفني عند الخطوة الثالثة بصوت كصفير القطار:

-إلى أين؟

-لأجلب لك الطبيب يا عم.

-تخاف عليّ أن أموت؟.. ضع خوفك في جيبك أيها الولد العاق، فلن أموت قبل أن أحقق الانتقام لأعمامك.

-عن أي انتقام تتحدث؟

-أنت تسكت.. عليك أن تسمع فقط يا وغد الأوغاد.

أي وصف نكد هذا الذي ابتدعه العم كمال لي؟.. لم يترك لي الوقت للاحتجاج، إنما قال بلهجة أوحت لي بعدم مقاطعته:

-ولد خالك بهجت ليكون ظاهرة غريبة في سماء عائلة أخوالك، إن كانت لهم سماء. حتى اسمه جاء من خارج العائلة، فمن المتبع أن عم أخوالك كان يفتح كتاب الله الكريم فوق رأس الطفل المولود حديثًا، ويقرأ في السور المعطرة، ويعثر على الاسم.. إلا خالك بهجت الذي شذ عن هذه القاعدة.. ويقال أن عم أخوالك، وهو رجل تقي ورع، فتح القرآن الكريم فوق رأس هذا الخال، بيد أنه أسرع بغلقه وانطلق مسرعًا باتجاه باب البيت، فاعترض طريقه جدك الذي كاد يطرحه أرضًا:

-ماذا؟

فقال أخوه التقي الورع:

-هل تسموه سافلًا؟

فتساءل جدك بدهشة:

-هل ذكر ذلك كتاب الله؟

-نعم.

-كيف؟

-أول آية قرأتها هي:"وجعلناهم أسفل السافلين".

فجلجل صوت جدك:

-إذن، نسميه"سافلًا"ما دامت هذه مشيئة الرب.

وجلجل صوت جدتك:

-أيها الرجل اخجل.. ماذا تصنع بنا؟

شعرت أن قلبي سيقفز من صدري، لكن صوت العم كمال الزاجر جمد كلمات الاحتجاج في فمي:

-هذا ماحدث، وإياك أن تفتح فمك.. ظل خالك بدون اسم أكثر من شهر بعد ولادته. ومرض الطفل، وفي عيادة الطبيب الذي فحصه جيدًا ووصف له الدواء سأل:

-ما اسمه؟

كاد الجد أن يقول للطبيب أن اسمه سافل، لكنه أغلق فمه جيدًا، وأجابته الجدة:

-شامل.

فاحتج الطبيب:

-شامل؟.. هذا اسم فلاحين.. انظروا إليه... إنه طفل جميل.. أنا سأسميه لكم باسم ينطبق عليه... سأطلق عليه اسم بهجت.

وكتب اسمه على وصفة الدواء. لم ينم الجد تلك الليلة، فقد تقلب تحت ضمير مثقل بالعذاب، وحين سألته جدتك ماذا حل به، أجابها حانقًا:

-يا امرأة، إننا نخالف مشيئة الله.. فقد قرر الله أن يكون اسمه سافل، وهذا الطبيب الملعون أطلق عليه هذا الاسم الذي يجعل لساني يلتوي في فمي عدة مرات حين أنطقه..

فقاطعته الجدة بغضب:

-إذا لم تقفل فمك فسآخذ ابني وأخرج من البيت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت