-ليرحمك الله يا عبد المجيد.. ليتك كنت أكثر عقلًا. حسن، مضى أكثر من عام و"الاسطى"المبدع محاصر بين جدران البقالية. ثم سن له عادة جديدة: قبل الظهيرة بساعة يخرج من بقاليته ويدور على الأماكن التي تبنى فيها البيوت. هناك كان العمال يستقبلونه استقبال القائد الكبير. كان يراقبهم وهم يعملون، ثم يبدأ بإزجاء النصائح لهم بعد أن يحدد الأخطاء في عملهم. أول الأمر، اعتبروا تصرفه فضلًا عليهم، لكن حين كثرت اعتراضاته بدأوا يضيقون به، لأن أصحاب البيوت يأخذون باعتراضاته ويتشاجرون معهم. شكوه إلى الجد الذي وبخه:
-لست صغيرًا حتى أنصحك. اترك الآخرين وشأنهم واحتفظ بالسمعة التي كسبتها خلال سنوات طويلة.
كلمات الجد الهادئة تلك لم تشف آلام الاسطى القديم. ظل متمسكًا بتلك العادة التي أرهقت البنائين الذين تعلموا المهنة منه...
توقف العم كمال عن حديثه. هز رأسه علامة على الأسف ثم قال:
-وجاءت الحادثة التي أسقطت ذلك الاسطى الخلاق. لا أحد يعلم لماذا قرر أن يهدم الحمام في بيته ويبنيه من جديد. لقد ارتفعت الجدران بسرعة. لم يعمل معه أحد من عماله القدامى، فقط زوجته وأولاده. ثم عقد السقف. لم يكن سقفًا جميلًا، حتى زوجته عرفت أن هذا ليس بناء جيدًا.. قبل أن يغسل يديه من الجص العالق بهما، دوى صوت انهيار السقف..
تساقطت دموع العم كمال، فسألته:
-بعد ذلك ماذا حدث؟
أجاب:
-خير لنا أن نتوقف عند هذا الحد.
قارئ الطالع
-لم يكن جدك بالرجل الذي يهزم بسهولة، لكن التركية هزمته، بل هزمت معه قطاع الطرق جميعًا.
-يا عم.. لماذا تنعت أخوالي بقطاع الطرق؟
فأجاب العم كمال بهدوء:
-إنه النعت الوحيد الذي ينطبق عليهم.
كنت على وشك الهرب من غرفة العم كمال التي تحولت إلى غرفة تعذيب أرهقت أعصابي وجلدت روحي. كيف السبيل إلى الخلاص من جدران هذه الغرفة التي يشتم فيها أهل أمي ويسخر منهم؟. وفي لحظة الشروع بالفرار شدني صوت العم كمال إلى الكرسي الذي أجلس عليه..
-الأحداث التي سأرويها الآن جعلت الجد يعيش سعادة بالغة، ومع ذلك فقد بطش بذلك الوغد فاضل.
تململت فوق الكرسي وقلت بتوسل:
-ألا ترحمني؟.. إنك تشتم أخوالي.
فأكد العم كمال بحنق:
-أنت لا تستحق الرحمة يا أوغد الأوغاد.. نعم، هذه حقيقة، فنصف دمائك تعود إلى قطاع الطرق أولئك.. ماذا فعلت بحكاياتي الجميلة؟