فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 58

-هل رأيت أيها الوغد أي ألم يورثه التلاعب بالكلمات؟... ولما كان خالك عبد المجيد ذا عقل خلاق، قال أمام الجميع:

-سأبني سقف بيتي من الطابوق.

الجد المحاصر بالأبناء هدر:

-لا تقتل ذريتي أيها الحمار الذي هو ابني.

في اليوم الثاني، منذ الصباح الباكر جدًا، حضر فريق عمله الذي لم يصدق الأمر، جيء بالطابوق وبألواح طويلة من الحديد. رفع سقف البيت الذي لا يغطي سوى غرفتين. وضعوا ألواح الحديد الطويلة على مسافات متقاربة، ثم بدأ العمل بالطابوق والجص. الخال هو الذي كان يبني، بعد يومين قال:

-سأنام تحت هذا السقف.

زوجته أرسلت أولاده إلى بيت الجد، وبقيت معه إلى الصباح تحت ذلك السقف دون أن يغمض لها جفن. في الصباح جاء الجد والجدة والأشقاء والشقيقات وكل الأولاد والأحفاد. طلب منهم الصعود جميعًا إلى السطح. صعد أمامهم وأخذ يقفز فوق سقف الطابوق. الزوجة أول الأقربين ذهبت إليه وتبعها الجميع. عندئذ صاح الجد:

-ليكن سقف بيتي من الطابوق.. مللت من رصفه بالطين والتبن كل شتاء.

الأغنياء وأنصاف الأغنياء والفقراء الذي وقف إلى جانبهم المصرف العقاري بنوا سقوف بيوتهم بالطابوق المعقود. خالك عبد المجيد جعل الجميع يحترم عقله المبدع، لكنه لم يحترم الزمن الذي لم يسخر من عقله، بل سخر من مهارة يديه..

-هل تبدأ الآن بشتم قوم أمي؟

قال العم كمال بهدوء:

-لا... إنني الآن، بعد أن زودني عمري الطويل بالحكمة، علي أن أبكي على خالك المبدع عبد المجيد الذي غير هندسة مدينة بكاملها، لكنه لم يفهم أن الإبداع في عقله وليس في يديه وعينيه..

قلت بدهشة:

-كيف؟

-كان عليه أن يكون فكرًا قائدًا، لايدين وعينين منفذتين. نسى الزمن والعمل الشاق والبرد والحر، لقد فقد قوة الشباب بالتدريج، ثم فقد قوة النظر، وبدأت يداه ترتعشان. لم يعد ذلك البناء الذي يتلقف الطابوق على ارتفاع أربعة أمتار. ما عادت يداه ثابتتان لعمل الخطوط الهندسية لمداميك الطابوق. اهتز كل شيء في علمه، ولم ينقذه العناد. أخيرًا انسحب من ساحة بناء البيوت، ليعمل في بقالية صغيرة..

لأول مرة، أرى الدموع في مقلتي عمي. قال بصوت عميق أثقله الألم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت