-كان خالك عبد المجيد مصدر دهشة لجدك الطيب أول الأمر، ثم تحولت الدهشة إلى نوع من العذاب، وكان الجد على حق...
-عن أي حق تتحدث؟
زمجر العم كمال:
-حين أبدأ حكايتي عليك أن تغلق فمك. أهذه طريقتك الجديدة لإفساد حكاياتي؟
عندما تأكد أنني أغلقت فمي قال:
-ولد خالك عبد المجيد في بستان العائلة قبل أن تنتقل إلى المدينة. عاش بين النخيل والأشجار والجداول. طارد الأفاعي والسناجب والقنافذ. هذا كله يعرفه جدك جيدًا، لكن الذي يجهله هو كيف تعلم خالك بناء البيوت، إذن، من حق الجد أن يدهش، ومن حقه أن يتعذب. كان يسأل الجدة حين يتذكر ولده عبد المجيد:
-هذا الحمار الذي هو ولدي وولدك أين تعلم بناء البيوت؟. أنا لا أذكر أن بيتنا في البستان كان من الطابوق.
كان الغضب يقطع كلام الجد في منتصفه. لم تكن الجدة ترد عليه، فهي الأخرى لا تعرف أين ومتى تعلم ولدها بناء البيوت. وخالك لم يكن ليهتم لفورات غضب والده، إنما أثبت أنه كان يمتلك عقلًا خلاقًا.. كان مهندسًا عظيمًا، أدخل الكثير من الفن في بناء البيوت. وهكذا أصبح أستاذًا للبناء، يعمل بأمرته عدد كبير من البنائين الذين ينفذون أفكاره التي أثارت دهشة سكان المدينة.. لقد تغيرت مداخل البيوت.. أصبحت ترتفع عن الشارع بدرجات.. الواجهات العليا ظهرت فيها النقوش، وأية نقوش؟.. نقوش من الحجارة نفسها.
توقف العم كمال عن حديثه ليسألني:
-حين أصبحت شهرة خالك عبد المجيد بهذا الاتساع، أتعرف ماذا كان شعور جدك الطيب؟
-ماذا كان؟
-الخوف.
-الخوف؟
أكد العم كمال:
-نعم الخوف.
-لماذا؟
-كان جدك يردد بحنق دائمًا: أن أولادي جميعًا من الحمير، فمن أين أتى هذا؟
-يا عم إنك تشتم أخوالي.
عاد العم كمال إلى الزمجرة:
-هذا ليس كلامي، بل هو كلام جدك الطيب.
ثم أضاف بعد وقفة قصيرة:
-المهم، أن جدك كان يتعذب أكثر كلما ازداد خالك شهرة في البناء إلى الحد الذي ما عاد أحد يسميه باسمه، إنما نعت"بالأسطى". خلال عشر سنوات تغير شكل بناء البيوت ومداخلها وشبابيكها على يد الأسطى وفريق عمله الذي أتقن الفنون التي ابتدعها.
مرة أخرى توقف العم كمال عن سرد حكايته. شعرت أن حديثه سيتخذ وجهة أخرى، وجهة كفيلة بالإساءة لخالي عبد المجيد. في تلك اللحظة، تمنيت أن يتوقف حديث العم عند هذا الحد، إلا ان أمنيتي صرعها إصرار العم كمال على إتمام الحكاية حتى نهايتها: