فزعقت الجدة:
-ماذا؟
-يا امرأة لا تصرخي.
والتفت الجد إلى أكبر أولاده وسأله:
-كيف كانت أوصاف جدك؟
قيل أن الابن الأكبر ظل صامتًا فصرخ الجد، فأجاب متلجلجًا:
-لا أذكر.
-كنت كبيرًا حين مات وهل كان أبيض البشرة؟..
هل كان شعره أشقر؟
-لا أذكر... لا أعتقد أنه كان كذلك.
صرخت الجدة وبكت النسوة. خرج أخوالك بقلوب محطمة، وحزن الجد حزنًا قاتمًا، وساهم حامد في إعادة الأمور إلى ماكانت عليه سابقًا، فهو لم يستطع أن يتحمل النظافة طويلًا، ونجح في إعادة القذارة إليه بسرعة عجيبة، وقيل أن الجد علق بحزن:
-ها هو يصبح أسود ليشابه قطيع الحمير السود الذين هم أولادي.
البناء
الماهر
ما عدت أملك سبيلًا للفرار من سياط العم كمال التي تجلد روحي جلدًا لا رحمة فيه. اكتشفت أنه كلما اقترب أوان إجراء العملية له تزداد حكاياته عن قوم أمي قسوة وسخرية. في ليلة بدت لي مريرة، سبح صوت العم كمال في جو الغرفة المشبع بروائح المنظفات والمعقمات:
-أتذكر خالك عبد المجيد؟
-يا عم.. لقد مات منذ زمن طويل جدًا إلى الحد الذي لم أعد أذكر ملامحه جيدًا. لماذا لا تترك الأموات ينعمون بالسلام في قبورهم؟
-أنت؟.. يا وغد الأوغاد الذي أتلف حكاياتي تدافع عنه لأنه خالك..
قررت أن أخرج من الغرفة. قررت أن أدير ظهري إلى عمي كمال إلى الأبد، إلا أنه قطع الطريق علي مثل كل مرة.. قال:
-لن تتركني وحيدًا في هذا المستشفى.
-إذن، دع قوم أمي وشأنهم.
هز العم كمال رأسه وهمهم:
-لقد صنعوا تأريخًا من الفوضى والاضطراب لا مثيل له. لم يكن بوسع أحد سوى أولئك قطاع الطرق أن يفعلوه.
قلت محتجًا:
-لماذا تنعت أخوالي بقطاع الطرق؟
-لأنهم كذلك يا ابن أخي، بل قطاع الطرق كانوا سيرتجفون أمام ما فعله أخوالك. هذه المرة سأحكي عن خالك عبد المجيد.
قاطعته:
-وتسخر منه بطريقتك؟
فسألني بامتعاض:
-من يسخر؟
-أنت يا عم.. أتعرف كم تعذبني هذه السخرية؟. أتعرف ماذا يعني تشويه صورة جميلة في مخيلتي لأحد أخوالي؟
-وحكاياتي الجميلة التي شوهتها بأكاذيبك؟.. أتعرف كم عذبني ذلك التشويه؟
نظرت إلى العم كمال متفرسًا في تقاطيع وجهه، وعلى الرغم من التجاعيد التي ملأت وجهه، إلا أن صورته القديمة هي التي أراها الآن.. ذلك الرجل الوسيم ذا الحديث الطلي، ما الذي حدث إذن، حتى ينتقم مني بهذه الصورة؟
جلجل صوت العم كمال: