وبالتدريج، أن بمرور الزمن نسي أفراد العائلة حامد الوسخ. بيد أن حامد كان ذا نفع لنساء العائلة، فقد سخرنه لشراء حاجاتهن من دكاكين البقالة أو من الأسواق.. ولم يرفض طلبًا لإحداهن، على الرغم من أنهن كن يخاطبنه بلقبه، وهو نفسه لم يشعر يومًا بالغيظ من هذا اللقب الرديء.
قفزت من مكاني جراء الضحكة المجلجلة التي أطلقها العم كمال. أيقنت أن أحداثًا أكثر إثارة، أو أكثر غرابة سيرويها هذا العم الساخر.. قال:
-اختفى حامد الوسخ فترة طويلة من محيط العائلة، وفي تلك الفترة ظهر أكرم وحسن وكنعان.. هؤلاء هم أولاد خالاتك الذين شكلوا عصبة مشاكسة... ثلاثة قطاع طرق صغار ملأوا المحلة بالمعارك والمقالب.. اشتبكوا مع أقرانهم ومع جيرانهم. لم يسلم أحد من أذاهم.. وذهبت كل العقوبات التي أوقعت بهم سدى، كما يقال. وحين ظهر حامد في أزقة المحلة، أثار ظهوره لدى جميع العوائل.. هذه المرة، أنا الذي سألته:
-لماذا؟
-لأنه عاد بلعبة غريبة لم يألفها الصبيان.
-لعبة غريبة؟
-نعم.. إنها البوكر المكشوف.
كدت أقفز إلى خارج الغرفة، واحتج العم كمال:
-ألا تصبر؟
-الصبي حامد يعرف لعبة البوكر المكشوف؟
أكد العم كمال:
-وعلم هذه اللعبة لصبيان المحلة وسرق نقودهم.
-لن أصدق.
-بل تصدق.
-قلت لن أصدق.
زأر العم كمالك
-إذن، أنا في سبيلي إلى تحطيم رأسك.
هدأت وهدأ العم أيضًا، ثم واصل حديثه:
-علمهم قواعد اللعبة، لكنه لم يعلمهم المهارة التي احتفظ بها لنفسه. ووقع في شراكه قطاع الطرق الثلاثة. حاولوا بكل الوسائل أن يلحقوا به الخسارة، لكن مصروفهم اليومي كان ينتقل من جيوبهم إلى جيبه. شعروا بوطأة الهزيمة.. شعروا؟.. بل انسحقوا تحتها. كيف يحدث هذا لهم؟.. وعلى يد مَنْ؟... على يد ابن خالتهم، ذلك الذي يطلق عليه الجميع: الوسخ؟... قرر كنعان أن يخدع حامد فسأله يومًا:
-كيف يمكن أن يكسب شخص بشكل أكيد؟
فأجابه حامد:
عليه أن يأتي بقول آس أوستريت فلوش أو كاريه أو كينت.
انغلق الطريق على قطاع الطرق الثلاثة أمام هذه الأسماء المحيرة. سألوه كثيرًا وأجاب كثيرًا. في اليوم الثاني، وعندما اجتمع الصبيان الأربعة لكي يلعبوا حدثت المصيبة الأولى...
-مصيبة أولى؟