فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 58

-أسباب؟.. أية أسباب؟... أنا لا أذكر ذلك، ومع ذلك سأقص عليك حكايات حقيقية، وسأرى إن كنت ستتلاعب بها كما فعلت فيما مضى لكي أدق عنقك.

-لن أتلاعب بما تحكيه، ولكن ابعد عن أخوالي... تحدث عن غيرهم من الناس فأكد العم كمال بنبرة رخيمة:

-إن أخوالك وأبناؤهم قاموا بأعمال تعجز عنها الأبالسة...

-يا عم..

-لا تصرخ في وجهي.. إن أخوالك وأبناءهم لا يشبهون الناس الآخرين.. إنهم من طينة أخرى.. ولكي تصدق ذلك، سأقص عليك ما فعله أربعة من أبناء أخوالك بجدك، وربما بجدتك أيضًا.. أربعة من الأبالسة الصغار جعلوا الجد يتعذب طويلًا... أنت كنت صغيرًا جدًا في زمن وقوع تلك الأحداث، وربما لم تولد بعد، توقف عن الكلام. كنت أعرف أنه بدأ يهيئ نفسه لحديث طويل... قال:

-حامد ابن خالك لطيف كان صبيًا غريب الأطوار... لم يكن يطيق الماء أبدًا. عجزت أمه وعجز أبوه عن الإمساك به وغسله، عندئذ تراكم الوسخ طبقات على جلده.

-أهذه أحداث تصلح للقص؟

زمجر العم كمال:

-إياك أن تقاطعني مرة ثانية.. إن قذارة هذا الصبي تسببت في أحداث اعتبرها جيران عائلة جدك ضربًا من أعمال المجانين. المهم أن حامد استحق عن جدارة لقب"الوسخ"... هذا اللقب الذي اقترن باسمه زمنًا طويلًا. كانت ملابسه قذرة أيضًا إلى الحد الذي استحالت فيه معرفة ألوانها الأصلية. كان يلف رأسه بكوفية قيل أن لونها أبيض عندما ارتداها أول مرة. ساح هذا الصبي القذر في جميع شوارع المدينة راكضًا وراء الحمير المحملة برمل الشواطئ، أو مطاردة الكلاب. الغريب أن العائلة أهملت شأنه، بل نسيته... اسألني لماذا؟

-لماذا؟

-لأسباب كثيرة. أهمها أنه أثار اشمئزاز النساء والرجال، وربما كراهيتهم لعناده وخوفه من الماء، ثم إنه ترك المدرسة في وقت مبكر، إضافة إلى أنه ابتعد عن المحيط الذي يقع تحت أنظار أفراد العائلة. هذا الصبي القذر غزا عالم المدينة المترامي الأطراف. كان يرى متسكعًا في كل مكان، حتى في مقابر المدينة القصية. أشبعه أبوه وأعمامه ضربًا، عله ينضوي تحت خيمة العائلة، إلا أنه كان يلعق مواطن أوجاعه كما يفعل الكلب. ولقد اهتم الجد به، غير أنه أهمل شأنه معلقًا:

-من يصدق أن جلد هذا الصبي يشبه جلد الجاموس؟.. أنا أجهل السبب الذي يكمن وراء انتقام الرب مني، وإلا أي أحفاد كلاب هؤلاء؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت