فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 58

-كان جدك يطلق هذه التسمية على خالك صبحي، لأنه كان من"شقاوات"المدينة في ذلك الوقت... لا تحاول أن تقاطعني، فقد وصلت الأحداث إلى نقطة لا تستطيع العودة منها. وقال جدك مخاطبًا خالك صبحي:

-أحدهم أساء لهذا الصبي، عليك أن تعرف ذلك منه... استخدم معه اللين والحيلة، وإياك أن تضربه.

أخذ الخال صبحي ابن أخيه ماجد إلى شارع الكحلاء، ذلك الشارع الجميل الذي تتفتح فيه أكثر النفوس ظلامًا. وأفلح في أن يوقع ماجد في أفخاخ كلامه. استمع إليه وهو غير مصدق، وعلق:

-أنت؟... العاهرات.. يا إلهي.. ربع الدينار ذاك...

قيل إن الخال صبحي أطلق عواء جعل جميع الكلاب السائبة تهرب من الشارع حين سمعته، وقال بغضب لاحد له:

-خذني إلى ذلك البيت.

الخال صبحي، ذلك الشرس الذي تخشاه المدينة، تحول إلى إعصار عصف بدار العاهرات. ضرب الرجال جميعًا.. قلب أثاث البيت، واضطرت النساء أن يحتمين وراء أبواب الغرف.. ذلك المبغى لم يتعرض لغارة رهيبة مثل هذه خلال تأريخه كله. نسى الرجال القائمون على المبغى أنوفهم التي تنزف دماء، وانشغلوا في ترضية الخال صبحي. اعتذروا منه كثيرًا، وأعطوه نقودًا، ووضعوا قنينة بيرة أمامه بعد أن أعادوا ترتيب الأثاث. هدأت البيرة أعصاب الخال صبحي أكثر مما هدأته الاعتذارات... حين التمعت عيناه من النشوة رفرف السلام على المبغى. عاد الرجال الذين فروا منه، وخرجت النسوة من وراء الأبواب والفزع مازال في عيونهن.. عندما رأى ماجد كريمة قال لعمه مشيرًا إليها:

-هذه هي المرأة.

فزأر صبحي:

-أهكذا تفعلين بابن أخي؟

فردت عليه وهي تضحك بمجون:

-ابن أخيك؟... يا لكم من عائلة فاسدة.

وشاركها الخال صبحي ضحكها:

-ليس أكثر فسادًا منك... هات ربع الدينار.

مد ماجد يده إلى الخال صبحي، غير أنه تجاهله ودس ربع الدينار في جيبه...

أعادوا لماجد كتبه. ظل الخال صبحي يحتسي البيرة، وحين انتهت القنينة قال بما يشبه الأمر:

-بيرة... أريد بيرة.

قالوا له:

-لم يبق لدينا بيرة.

-اجلبوا غيرها.

من يأتي بها؟

عندئذ التفت إلى ماجد ثم خاطبهم:

-أعطوا نقودًا لماجد ليجلب البيرة.

شعر ماجد أن الحمى هاجمته من جديد، إلا أن أمر الخال صبحي لا يناقش. وهكذا انطلق ماجد ليجلب البيرة، ثم أرسله ليجلب فواكه من السوق. في طريق عودتهما إلى البيت قال لعمه:

-أرجع لي نقودي.

-أية نقود؟

-ربع الدينار.

قهقه الخال صحبي ثم قال لابن أخيه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت