فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 58

كم كان يملك من الجرأة حين تجول في باحة البيت؟.. رأى العديد من الرجال يجلسون على الكرويتات الخشبية، بعضهم يدخن، والبعض الآخر يشرب البيرة. رأى تلك النسوة بأوضاع مثيرة. كان يبحث عن تلك المرأة التي طلبت منه ربع الدينار. لم تكن في باحة البيت، ومن دون ريب كان حائرًا لايعرف ماذا يفعل. ثم رآها تنزل السلم ووراءها رجل كئيب الوجه. مد يده بربع الدينار وقال لها:

-هذا هو ربع الدينار.

نظرت إليه باستغراب، ثم تذكرته فقالت تخاطب الأخريات:

-انظرن إليه... أين أضع هذا الصبي؟

قهقهت النساء ساخرات منه. جلست المرأة على السلمة الأخيرة، بعد أن أخذت ربع الدينار منه. كانت تنظر إليه بدهشة. سألته:

-ما اسمك؟

-ماجد.

مددت يدها في صدرها وأخرجت حافظة صغيرة للنقود. أعطته بعض القطع النقدية وأمرته:

-هات لي من الدكان المجاور علبة سجائر البلاط.

طار ماجد إلى الدكان وعاد مسرعًا بعلبة السجائر.. في تلك الأثناء خرجت امرأة من إحدى غرف الدار، قالت:

-أكاد أموت جوعًا.

حين رأت ماجد أعطته نقودًا وخاطبته:

-هات لي من المطعم في سوق الجديدة كبابًا.

نظر ماجد إلى المرأة الأولى مستنجدًا بها إلا أنها وبخته قائلة:

-اذهب وهات لها ما تطلبه منك... لا تخف، فأنا لن أسرق ربع دينارك. عندما تعود اسأل عن كريمة، فهذا هو اسمي.

انطلق ماجد إلى السوق وعاد بطبق الكباب. وجدت النسوة فيه خير من يؤدي لهن الخدمات، فأرسلنه لجلب الثلج، ثم لشراء قناني البيرة. كانت طلباتهن بلا نهاية. عند الظهيرة ماتت الرغبة عند ماجد، فطالب كريمة أن تعيد له ربع الدينار.. أمسكته تلك المرأة من كتفيه وسحبته إلى خارج البيت، ثم ضربته على ظهره بكفيها، مشيعة إياه:

-اذهب ونم في حضن أمك أيها الولد الفاسد.

عاد ماجد إلى البيت مخذولًا.. فقد نقوده وكتبه أيضًا، وتقلب جسده الصغير على نار حمى قاسية. أهو عقاب الرب العادل؟.. ثلاثة أيام والعائلة تعيش قلقًا جراء حالة ماجد. حين غادرته الحمى بكى بكاء مرًا. سأله والده:

-هل ضربك أحدًا؟

وسألته أمه:

-ما الأمر يا ولدي؟

وخاطبه الجد بحنق:

-من الذي أساء إليك؟

لكن ماجد لم يخرج من صمته. كانت دموعه تنهمر فقط. ضج أعمامه وقال أحدهم بغضب:

-هل وصلنا إلى الحد الذي يضرب فيه الناس أولادنا ونحن لانفعل شيئًا؟

وهدر الجد:

-آتوني بذلك السافل.

-من هو السافل؟

فأجاب العم كمال:

-خالك صبحي.

لم يترك لي وقتًا لكي أحتج، بل واصل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت