-في ذلك اليوم سلك ماجد طريقًا جديدة لم يسلكها من قبل. انطلق عبر شارع الفاو، ثم محلة المحمودية، فمحلة الصابونجية، واخترق الكراج القديم، مارًا بجوار المقبرة. لقد وصل إلى طرف المدينة القصي، ثم استدار ليدخل في أحد شوارع محلة القادرية، ذلك الشارع الذي توقع أن يقوده إلى المدرسة. لكن ماجد الصغير توقف في منتصفه وهو يرتعش.. لقد رأى نسوة نصف عاريات يجلسن في الشمس طلبًا للدفء.. لم تعره تلك النسوة أي اهتمام، فالنعاس مازال في عيونهن، لكن حين انتبهن له سخرن منه بكلمات بذيئة، عندئذ فر من أمامهن، إلا أن منظر أجسادهن نصف العارية لم يفارق مخيلته، وتحول يومه ذاك في المدرسة إلى وقت مثير، فقد تبخرت قوانين السوائل من دمائه، وفقدت معادلات الرياضيات توازنها، وتشوش جدول الضرب.. منذ ذلك اليوم طرأ الفساد على أخلاق الصبي ماجد. وكرر مروره من أمام ذلك البيت.. سألت العم كمال:
-ما معنى ذلك؟.. عن أي بيت تتحدث؟
-قبل عام 1958 كان في مدينتنا مبغيان مجازان من الدولة. ولقد مر ماجد بأحد هذين المبغيين.
-وبعد؟
-لم يعد ماجد يفر من أمام تلك النسوة كما فعل في المرة الأولى. جمع معلومات عن هذا البيت من أبناء عمومته.. تحول هذا المهذب إلى قاطع طريق صغير.. وجه إليهم أسئلة غلفها ببراءة مصطنعة بعد أن فقد براءته الحقيقية.. قاطع الطريق هذا لملم شجاعته وسأل تلك النسوة:
-ماذا يتوجب علي لكي أفعل ما يفعله الآخرون؟
أصيبت النسوة بالدهشة.. زجرته إحداهن وأسمعته كلامًا قاسيًا، وكادت أخرى أن تلطمه، لكن ثالثة قالت وهي تضحك منه:
-كل مايمكن أن تفعله هو أن تأتي بربع دينار.
وربع الدينار كان مبلغًا كبيرًا في ذلك الوقت. فمن أين لماجد أن يأتي به؟. لكن ذلك المحتال الصغير قال لأبيه:
-مدرس العلوم طلب من كل تلميذ ربع دينار من أجل شراء مواد للمختبر. تحمس الأب لهذا الأمر، واعتبر أن المختبر له علاقة وثيقة بطب الأسنان. وتحمست العائلة كلها، فأنجدت ماجد.. جمعوا له ربع الدينار ليشاركوا في صنع مستقبله، حتى الجد ساهم في هذا المبلغ. الجيران اعتبروا هذا التصرف من ضمن جنون العائلة الذي تشتهر به.
قطع العم كمال حديثه ليتساءل:
-في أية لحظة مشؤومة خطت قدما ماجد فوق عتبة ذلك البيت السيئ السمعة؟.