-بل هي عن أحد أبناء أخوالك... تلك الأحداث التي كونت الحكاية أصبحت حديث المدينة.. لقد أحزنت جدك زمنًا طويلًا جدًا، على الرغم من أنه حطم الكثير من العصي الغليظة على أجساد من قام بتلك الأحداث.
سألته:
-أحزنت جدي؟
أجاب العم كمال:
-نعم... تلك الأحداث ما كان لها أن تتحرك لولا ماجد ابن خالك حسين.. لا تحاول مقاطعتي، إنما عليك أن تستمع جيدًا. كان جدك له الرحمة ألف مرة.. ألف مرة؟.. لا، بل مليون مرة... قلت كان جدك رجلًا طيبًا، وشريفًا، عفيفًا وورعًا، وعلى الرغم من أنه ينسى الصلاة أيامًا عدة، فإنه كان قديسًا، كما أنه يعرف كيف يستخدم العصا.
قلت معلقًا:
-قديس وبيده عصا؟
ظهرت ابتسامة في وجه العم كمال.. فات الوقت للحذر، فقد أفلح في إيقاعي بأحابيله فجعلني أنا من يندد بقوم أمي. تابع العم كمال حديثه:
-بدأت الأحداث حين تقرر أن يكمل ماجد دراسته بعد أن أنهى دراسته الابتدائية كان خالك حسين يريده أن يكون طبيب أسنان، لكي يشفيه من أسنانه التي تؤلمه باستمرار وفشل جميع أطباء الأسنان في مدينتنا في شفائه.
توسلت بالعم كمال:
-يا عم..
فهدر العم:
-أيها الوغد عليك أن تسمع.. أن أخوالك يفكرون بطريقة تختلف عن طرق الآخرين. ولقد سأل جدك الخال حسين وهو جالس على بركان من الغضب:
-ترسله إلى المدرسة ليصبح طبيب أسنان؟
-نعم يا أبي.
-لماذا طبيب أسنان؟
-حتى يعالج أسناني ويخلصني من آلامها.
وسأله الجد بهدوء عجيب:
-وكم من السنوات ستمضي حتى يصبح ماجد طبيب أسنان؟
عد الخال حسين على أصابع يديه، ثم قال بفرح:
-عشر سنوات.
-وتصبر على آلامك كل هذه السنين؟
-نعم.
وانفجر بركان الغضب الذي كان يجلس عليه الجد:
-أصحيح أنني أنجبت كل هؤلاء الحمير؟
قلت محتجًا:
-إنك تشتم أخوالي يا عم.
-أنا لا أشتم أحدًا، بل هذا ما قاله جدك. المهم، ذهب ماجد الصغير إلى ثانوية العمارة التي تبعد كثيرًا عن البيت. وماجد مهذب ودمث وذكي، لذلك كان جميع أفراد العائلة يحبه، وكان جدك يفضله على كل أحفاده.. في عام 1955 لم تكن في مدينتنا سيارات أجرة أو حافلات لنقل الركاب، وهكذا تعين على ماجد الصغير أن ينطلق كل صباح، طاويًا الطريق على قدميه.. ولقد جرب العديد من الطرق التي تقوده إلى تلك الثانوية، إلى أن حل ذلك اليوم.
توقف العم كمال ليخاطبني:
-اسألني ماذا حدث في ذلك اليوم؟
-ماذا حدث يا عم؟