طأطأ الخال فرحان رأسه، واتجه إلى غرفته، إلى حيث زوجته زكية التي وقفت إلى جانبه في محنته العصيبة. وفيما بعد اكتشف أنه سقط ضحية دجال كان ينبغي عليه أن يكشفه بسرعة. هذا الاكتشاف جعله يترك كل علومه ومهاراته ويكتفي بالحلاقة مهنة له، إلا أن الشرود لم يفارقه، بل ازداد وطأة عليه، وهذا ما جعل الزبائن يهربون منه، لأن مقصه كان يعيث فسادًا في شعورهم جراء شروده الدائم.
واختتم العم حكايته:
-أن الجد هو الوحيد الذي كان يؤكد قائلًا:
-إني لعلى ثقة لا تتزحزح أن أجدادي القريبين والبعيدين لم يكن فيهم حمار واحد، فكيف استطعت أن أنجب هذا الحمار.
العاهر
كم مضى من الوقت على الحكاية التي قصها العم كمال عن الخال فرحان؟... خلال ذلك الوقت الذي بدأ لي طويلًا لم ألتق بعمي، وهذا ما قررته لكي لا أسمع ما يسيء إلى قوم أمي، إذ ليس من المسعد، على أية حال، تشويش أو تغيير صورة إنسان عاشت طويلًا في الوجدان، خاصة إذا كانت كالخال فرحان... ثم أنني لست من هذا القبيل الذي بمقدوره أن يغير صور الأحبة بالسرعة التي يغير فيها ثيابه.
إلا أن القرار على توطين النفس بعدم الالتقاء بالعم كمال سقط من النافذة حين سمعت أن هذا العم قد أدخلوه المستشفى، وستجري له عملية جراحية تحمل الكثير من الخطورة. اكتشفت أنني أسبق خطواتي إلى حيث يرقد العم كمال.. هذا العم الذي هو آخر عمومتي الأحياء.
استقبلني وأنا مازلت في باب غرفته الخاصة في المستشفى:
-الوغد؟.. كنت أعلم جيدًا أنك ستأتيني.
لم يترك لي الوقت لطرح الأسئلة. فجأة، تمنيت أن أنطلق مثل السهام النارية من غرفته، حين علمت أنه تقرر في العائلة، أن أكون المرافق الدائم له أثناء وجوده في المستشفى. قطع الطريق علي قائلًا:
-توقف أيها الوغد... لن تفر مني بسهولة.
انتهى العم كمال من مسمرتي على السرير الثاني الذي سأشغله في غرفته، وعندما علمت أنه ستمضي أيام كثيرة قبل أن تجرى له العملية، تيقنت أنه سيجلد روحي جلدًا بحكاياته عن أخوالي. جاءني صوته الذي ترعشه الشيخوخة:
-أنا أكبر كذاب في طول البلاد وعرضها؟.. هل صحيح أن هذا هو ما قاله المرحوم أبوك؟
توسلت به:
-يا عم.. لقد شرحت..
فقاطعني بحنق:
-أفسدت جميع حكاياتي أيها الوغد.. ولتسمع الآن.. هذه المرة أنا الذي قاطعته:
-أهي عن أحد أخوالي أيضًا؟