فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 100

وعبر هذه السلسلة من الانكسارات في المواجهة مع الغرب، ظل السؤال يلّح: من نحن؟ وكيف يمكن أن نواجه هذه الهجمة الشرسة من الحضارة المركزية الأوربية"الغربية"، والتي ارتدت مؤخرًا مسوح النظام العالمي الجديد؟ دون أن نفقد هويتنا وخصوصيتنا.

وقد قصدت للإجابة عن هذا السؤال، جهات وتنظيمات متعددة، كما أجاب عنه مفكرون كثيرون فدعا بعضهم إلى الالتحاق بالمشروع الغربي للحضارة ، دون قيد أو شرط ، والتبني المطلق لمناهج الغربيين ومقولاتهم وأساليب تفكيرهم ، بل وأنماط سلوكهم . لأن ذلك - بزعمهم -يشكل المدخل الحقيقي للعصر ، نتعلم عن طريقه اللغة والإيقاع الذي نتعامل به مع الغربيين ، ويساعدنا على بناء القوة وتحقيق التقدم . في حين دعا بعضهم الآخر - على العكس تمامًا إلى الانكفاء على الذات ، والاعتصام بالموروث ، لنستمد من ثمة القوة والمنعة . والذات التي يدعون للرجوع إليها تعني الرجوع إلى (العصر الذهبي ) للأمة ، لنمذجته والاقتداء به .. مع الاختلاف -بطبيعة الحال -على تحديد إحداثيات ذلك العصر بإختلاف المشارب والانتماءات ..

واضح أن الالتحاق بالمشروع الغربي أيًا كانت الطبعة التي يتجلى فيها ، والتخلي عن الهوية والخصوصية ، خيانة مافي ذلك ريب ، لأنها ببساطة دعوة لأن تغادر الأمة إهابها، لتسكن في إهاب مستعار ،لم يقد على مقاسها ، وسوف يبقى ثوبًا مستعارًا ، لايدفئ ، تدفع ثمنه، أو بالأحرى أجرته ، من وجودها وكيانها وقيمها وثرواتها ، مضحية بكل إنجازاتها عبر التاريخ .. وتصبح كالغراب الذي نسي مشيته ، قانعًا بعرج أبدي .

كما إن الجمود عند منجزات عصر بعينه ، أيًا كان هذا العصر ، ونمذجتها ،ومحاولة الاقتداء بها ، أو استعادتها ، خروج من التاريخ ، وإهدار للخبرات ، وحكم على النفس بالموت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت