التراث العربي تراث متمايز، أنتجته عقلية ذات خصوصية، مستمدة من خصوصية الواقع الذي تعاملت معه. وهذه العقلية العربية عبارة عن نسق فكري مركب، أنتج حضارة متمايزة، عليها بصمات تلك العقلية. وفي الجدل الحضاري، الذي خاضته الحضارة العربية مع الحضارات الأخرى"اليونانية/ الفارسية/ الهندية/.."، مؤثرة ومتأثرة ، تعاملت مع تلك الحضارات على أرضية العقلية العربية ، مستخدمة منطلقاتها ومبادئها ووسائلها. على اعتبار أن الحضارة لايمكن أن تكون إلا ثمرة فكرها، حتى تحافظ على هويتها. لقد تعاملت مع معطيات تلك الحضارات كمواد خام، استوعبتها، وشكلتها مع ما يتفق مع قيمها وواقعها. ومن هنا يمكن أن نفهم كلام"د. طيب تيزيني"بان الحضارة تؤثر في حضارة أخرى من خلال البنية الداخلية لهذه الحضارة- المتأثرة- وبكلمات"د. محمود أمين العالم":"لاشك أن التغيير والتجديد ، لايتم من خارج تراثنا، أو بتعبير آخر من خارج هويتنا الثقافية؟ إنما يتم داخل هذه الهوية الثقافية" (11) .وهذا ما فعله العرب المسلمون، عندما خاضوا حوارًا حضاريًا مع الأمم الأخرى مستفيدين من التراكم المعرفي والتقني"إن صحت الكلمة"الذي وصل إليه الإغريق، الذين كانوا قد استفادوا بدورهم من إنجازات الحضارات التي عرفتها المنطقة العربية:"المسلمون عندما انفتحوا على الحضارات الفارسية واليونانية والهندية، أخذوا وتركوا، أخذوا ما يمثل قوة الشخصية الحضارية المتميزة، وحتى ما أخذوه قرؤوه قراءة عربية إسلامية، تمثلوه وطوعوه لما تتميز به هذه الشخصية الحضارية.... ترجمة الفلسفة اليونانية تحولت إلى فلسفة إسلامية" (12) . وعلى العرب أن يتعاملوا بالطريقة نفسها مع الحضارة الغربية، خاصة وأن الغرب يحاول أن يفرض نمطًا معينًا من الحضارة، بجوانبها المادية والمعيارية، بقصد إلحاق العرب- وسواهم- في فلك سياساته الامبريالية.