ونقصد بالتراث العربي:"الحضارة العربية الإسلامية بكل ما يحترم فيها من ممارسات وعمليات ومشروعات إدارية واقتصادية وزراعية وصناعية وعمرانية وفيزيائية ورياضية وفلكية وكيميائية وجغرافية.... إلى غيرذلك" (3) . دون أن نقصره على النواحي الروحية والفكرية والفقهية واللغوية... على أهميتها. علمًا بأن التراث العربي - في الحالة الأخيرة- يتسع ليشمل كل المذاهب والفرق والملل والنحل، أصحاب المذاهب، وأصحاب البدع على حد سواء. إنه من الرحابة بحيث يتسع للمعتزلة والمتصوفة، لابن حنبل وابن الريوندي، للجاحظ والحلاج، لواصل بن عطاء وابن سبعين، للخارجي والشيعي.... بل إن عظمة هذا التراث إنما تكمن في هذه التعددية، وهذه الرحابة، وهذا الثراء. وليس صحيحًا ما يدعيه البعض، بأن التراث العربي الإسلامي بتشعبه، وتعدد تياراته، يشكل عبئًا على الأمة، ويؤدي إلى إرباك الباحثين.... ذلك أن وجود تراث غني لأمة من الأمم، تحتدم فيه الآراء والمذاهب والأفكار، يشكل حافزًا للاجتهاد، عن طريق الاستفادة القصوى من المخزون الغني، لتطوير نمط من التحديث خاص بالأمة- كما أثبتت ذلك العديد من التجارب- فالمشكلة ليست في غنى التراث، وتعدد التيارات فيه، إنما المشكلة الحقيقية في كيفية التعامل معه، والاستفادة منه، والتمييز بين ما هو جوهر وما هو عرض، بين ما هو ثابت نسبيًا، وبين ما هو متحول ومتبدل بتبدل المعطيات. فما هو ثابت- نسبيًا- يستمر ما نحًا ملامحه للتجليات التاريخية، ما هو ثابت هو الهوية، أعني الخصوصية التي تتميز بها الأمة من سواها من الأمم:"بمعنى أن هذه القسمات الثابتة في الشخصية الحضارية، والتي نسميها هوية، تستعصي على التطور والتغير، حتى ولو كان غزوًا تغريبيًا" (4) .