فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 100

في وقت الأزمات، وبعد الانكسارات، وعند المنعطفات التاريخية الحاسمة، تظهر تيارات فكرية، هدفها البحث عن الذات، ومراجعة ما حدث، بقصد إعادة تأهيل الأمة، لمواجهة المصير، بكفاءة عالية، وكفاية مناسبة. وغالبًا ما يتم التركيز على المشتركات التي توحد الأمة ، وتجسد امكاناتها .. وهذه المشتركات هي ما يحدد هوية الأمة ، ويظهر تمايزها. لذلك يبدأ المفكرون في البحث في هوية الأمة، والبحث عن هوية الأمة. مع ملاحظة أن البحث في الهوية بحث معرفي، أما البحث عن الهوية فبحث أيديولوجي غالبًا. البحث في الهوية بحث صنع لهذه الهوية، ومتابعة لصنعها باستمرار. أما البحث عنها، فيعني أن الهوية منجزة ولكنها ضائعة يجب البحث عنها لاستردادها. البحث في الهوية بحث علمي له أبعاده الفلسفية، بحث في وحدة الانتماء، بحث عن العام، والمشترك، والكلي في هذا الذي يبدو وكأنه خاص وفردي وجزئي. بحث عن الوحدة في المتنوع، بحث عن كل ما يؤدي إلى التقارب والالتقاء عند نقاط مشتركة.إنه ليس بحثًا عن شيء كنا نمتلكه ، ثم أضعناه- كما يزعم البعض- بل عن شيء نصنعه باستمرار، وهو قيد الإنجاز دائمًا، في ضوء منطق معين، ومبادئ وكليات معينة.

أما البحث عن الهوية فلا يمكن أ ن يرقى لمستوى البحث العلمي، لأنه ليس بحثًا بريئًا يهدف إلى تحديد مجمل السمات والملامح والمقومات التي تحدد الهوية... إنما هو اختيار.. انحياز... موقف... أيديولوجيا... برنامج عمل يحاول أن يبحث عن هوية ما متصورة في ذهن ما .. أن يبحث عن فردوس مفقود.. عن عصر ذهبي... ثم يحاول بعد ذلك أن يطابق بين ذاته، وبين هذه الهوية المختارة، هذه الهوية النموذج... وهو في الحقيقة يحاول أن يؤكد ذاته عبر اختياره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت