الفكر العربي الحديث منهمك منذ بدايات ما اصطلح على تسميته بعصر النهضة، في عملية كبيرة، هدفها البحث عن الذات، أو بالأحرى عن خصوصية محتملة، نتيجة ما يعانيه من شعور حاد بفقدان الهوية، بعد تضليله- عمدًا في أغلب الأحيان- عن خصوصيته، الناجمة عن خصوصية الواقع الذي تعامل معه. فالمحيط"المادي/ الاجتماعي/ الاقتصادي/ الثقافي/..."الخاص، لابد أن ينتج فكرًا ذا خصوصية، إن من حيث المضمون الذي يعكس هذا المحيط، وإن من حيث الطريقة، والأدوات، والأساليب، وبناء الأنساق والمقولات، والمعايير الفكرية، التي تشكل في مجموعها منظومة متمايزة، يتم في ضوئها التعامل مع هذا المحيط.
ومن الطبيعي أن تتعمق أزمة البحث عن هذه الخصوصية، نتيجة الجذب الحضاري العاصف، الذي ما فتئت تمارسه الحضارة الغربية المهيمنة، بتجليها الرأسمالي الامبريالي خاصة، حين طرحت شعار"مركزية الحضارة"، معلنة أنها تمتلك مشروعًا حضاريًا كونيًا"عالميًا"، لايمكن لأمة من الأمم الفكاك منه، إلا إذا حكمت على نفسها بالبقاء على الهامش.
وتحت شعارات مدعاة مثل:"العالمية/ العلمانية/ الموضوعية/ الديمقراطية/ حقوق الإنسان/...."وبتوظيف مقتدر لمعطيات التقنية الحديثة، تعمل الحضارة الغربية، على تشكيل ثقافات ومقولات وأنماط تفكير الشعوب والأمم الأخرى، بما يتناسب مع الهيمنة المطلقة، للحضارة"المركزية"المستبدة، عن طريق إجبار تلك الأمم والشعوب على التخلي عن ثقافاتها، باعتبارها ثقافات دونية وقبل حضارية، ومتهافتة. ولم يكن ذلك لخدمة المبادئ والشعارات الكبيرة التي كثيرًا ما تخلت عنها حين تعارضت مع المصالح الغربية...