فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 100

وإذا كان الفكر المقاوم، الذي يرى خير أوربا ويرى شرها، فيأخذ من خيرها، ويتجنب شرها ما استطاع ، هو أقرب المواقف إلى المنطق، وإلى الواقع... ولكن ثمة حقيقة لابد من ذكرها، وهي أن الفكر العربي في ما سمي بعصر النهضة عجز عن أن يمثل طبقة متمايزة، يرعى مصالحها، ويدافع عنها ، لأن الطبقة المؤهلة لقيادة المجتمع"البورجوازية"لم تكن قادرة على الوجود أصلًا، لأسباب متعددة، داخلية وخارجية. وعدم وجود"البرجوازية"يعني ضمنيًا عدم وجود من يتناقض معها، ويناهض توجهاتها. بل إن الفكر العربي حينئذ، عجز عن تشكيل أحزاب وجمعيات متجانسة، ذات أهداف اجتماعية وقومية محددة، لذلك انطلق أغلب المفكرين من اللاتاريخ، ومن اللاواقع، ليقدموا وصفات ذهنية، تصلح بزعمهم للنهوض والترقي... وهي وصفات منطقية تصلح لكل زمان ومكان، وبعبارة أخرى ، لاتصلح لزمن محدد، وموطن معين، له مشاكله الواقعية المشخصة. فدعا بعضهم لأن نكون غربيين"شبلي شميّل، فرح أنطون، سلامة موسى،..."ناسيًا أن في ذلك شبه استحالة سلبية- إذا استخدمنا مصطلحات المنطق- لأن ذلك يجعل منا كائنات مستغربة، لانكون نحن، ولا نكون الآخر. (19) ودعا آخرون، عبر انكفاء على الذات لأن نرجع إلى العصر الذهبي للأمة- مع اختلاف في تحديد إحداثيات هذا العصر- ناسين أن هذا الموقف لايقبله التاريخ، ولايقره العقل، فضلًا عمّا فيه من إهدار للتجارب والخبرات التي تراكمت عبر الزمن.

وبعد ! فقد خرج"الغرب"من إهاب أوربا، ليلبس إهابًا فكريًا وثقافيًا وقيميًا متمايزًا. فصار حضارة لها بنيتها، ولها ثوابتها، ولها متغيراتها

فالغرب يوجد حيث توجد حضارته، وحيث تسود مبادئه، ورؤيته، وفلسفته في الوجود، بغض النظر عن الموقع الجغرافي. صحيح أن أوربا نواته ومنطلقه، ولكنه موجود في أوربا، وفي أمريكا الشمالية، وفي أوستراليا... بل وفي بعض أركان الشرق، وبين ظهرانيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت