رفع اليابانيون شعار:"علوم الغرب وأخلاق الشرق"، وكان سبقهم إلى مثل ذلك أحد شعراء الصين. وأكد"رفاعة رافع الطهطاوي"و"خير الدين التونسي"وسواهما على أهمية العلوم"البرّانية"، وضرورة الأخذ بها. أما أخلاقهم"الأوربيين"، وقيمهم، وأنماط سلوكهم، فلم تكن مقبولة، بل وكانت في كثير من الحالات مرذولة. ولكن هل يمكن الفصل بين العلوم"البرانية"وتطبيقاتها التكنولوجية وبين القيم والمعايير الأخلاقية والعلاقات الاجتماعية الناتجة عنها، والسائدة معها، أو السابقة عليها؟ الغرب والمتغربون قالوا:"كل ما يولد في الغرب جزء منه، خذوه كله، أو فدعوه كله". ولكن هل هذا حقيقي هو الآخر؟ أو لاتفترض هذه المقولة تاريخًا إنسانيًا مشتركًا تنتفي فيه خصوصية بعدي الزمان والمكان، وماتراكم عبرهما من معرفة وخبرات وتجارب؟ أوليس القول بالتاريخ الواحد خروجًا من التاريخ؟..
ويمكن للباحث أن يلاحظ أن ثمة مواقف ثلاثة، اتخذها المفكرون العرب في ما سمي بعصر النهضة من العلاقة مع الغرب: موقف الإعجاب، وموقف التماهي، وموقف الممانعة والمقاومة الإيجابية. هذا إذا استثنينا موقفًا رابعًا هو موقف الرفض المطلق لكل ما هو غربي- وهو موقف القلة التي تقبع خارج التاريخ- لأن التقوقع على الذات ما كان ممكنًا في يوم من الأيام، وهو اليوم أكثر استحالة. وإذا كانت غطرسة الغرب وعنجهيته وظلمه سببًا لمقاومته، والوقوف في وجه مشاريعه، فليست مبررًا لرفضه وإلغائه:"ما بيننا وبين أوربا لايصح أن نسميه عداء، بل هو أقرب إلى ما يسمى تنازع البقاء"على حد قول (عبد الحميد الزهراوي) . والمواقف المذكورة ليست متتالية زمنيًا، بل كانت موجودة معًا دائمًا، منذ الاتصالات الأولى مع هذا الغرب، مع غلبة لهذا التيار أو ذاك في كل مرة.
1-موقف الإعجاب