وإذا كان الغرب قد أنشأ مفهوم الشرق بعيدًا عن معطيات الواقع والتاريخ،"كما ذكر ذلك ادوار سعيد"، فإن الشرق في إنشائه لمفهوم الغرب كان أقل ابتعادًا عن إحداثيات الواقع، وأقل ابتعادًا عن وقائع التاريخ، وأكثر موضوعية من شطحات بعض الرحالة الأوربيين. وإذا كانت المواقف قد تباينت، فيعود ذلك لأسباب كثيرة أهمها اثنان: الانتقائية على صعيد البحث، والمصلحة، والرؤية الخاطئة على صعيد السياسة. وفي كل الحالات، وعند الجميع، كان المطلوب: قوة الغرب أو التحديث:"كان القرنان الثامن عشر والتاسع عشر حتى"1880"م زمن مجابهة عنيفة بين دار الإسلام، والغرب الحديث، حسب حركة متواترة، من تأثيرات مقبولة كضرورة تحديث، وبين حقد يتزايد اطرادًا ضد محاولات الإخضاع". (4) .وربما كان في الفقرة السابقة- مع إهمال التحديد الزمني الأخير- سر التمزق الذي واجهه الفكر العربي الإسلامي في علاقته مع الغرب: نريد قوته، ونرفض الاستلاب أمامه:"نعم للأجانب فضل عظيم في حياتنا العلمية- وكل شيء فهو يتبع العلم- ولكن إذا كان ثمن التفضل التجريد من كل إرادة واختيار، أفلا يكون الموت خيرًا من الحياة معه؟" (5) .