ونعود لنقول: بأن معرفة الغرب للشرق لم تكن علمية خالصة، ولم تكن لوجه المعرفة الموضوعية. فبعض المستشرقين قد توالفت فيهم العوامل المعرفية، مع العوامل السياسية والنفسانية، فلم يكونوا- والحالة هذه - أكثر من مصابين بالعصاب التوهمي"البارانويا"، فجاءت معرفتهم للشرق وللشرقيين مخالفة للمعرفة التاريخية العادية- على حد قول أدوار سعيد- مما جعل الاستشراق يغدو مشكلة ذهنية، ومشكلة فلسفية ونفسانية، إذ كيف يسمح عارف لنفسه بأن لايكون عقلانيًا مع أنه قادر على ذلك؟!! فيلجأ إلى انتاج توهمات عن الآخر"الشرقي"، بقصد إنكاره لابقصد معرفته كما هو. فتكون معرفته إنشاء مبنيًا على أفكار شائعة، وأحكام مترسبة في وجدان قارئيه"الغربيين"، بدل أن ينتج وعيًا مطابقًا، لمجتمعات تاريخية وواقعية:"ومن جديد فإن المعرفة بالعروق المحكومة"الشرقيين"هي التي تجعل حكمهم سهلًا ومجديًا". فالمعرفة تمنح القوة، ومزيد من القوة يتطلب مزيدًا من المعرفة.. وهكذا في حركية المعلومات/ السيطرة"متنامية الأرباح باستمرار" (6) .
وهكذا فإن كثيرًا ممن كتب عن ( الشرق) من الغربيين، لم يكن مؤهلًا من الناحية العلمية والمنهجية للكتابة. ومع أهمية بعض هذه الكتابات من حيث إنها تلقي أضواء كثيرة، على مفهوم الغربيين عن الشرق والشرقيين، فإنها - في غالبيتها- تخرج عن النطاق العلمي الدقيق، ويدخل- معظمها- في باب التخيل، الذي لايخلو من تحامل وجهل ، كما هو الحال في كتابات"دانتي ، عن الإسلام ونبي الإسلام...."