وفي فصل الشفاعة تتوافد الخلائق إلى آدم ثمّ إلى نوح فإبراهيم فموسى فعيسى تطلب إلى هؤلاء الأنبياء دعاء الله، وكلّهم يدفع الناس إلى لاحقه إلى أن تصل الخلائق إلى محمد صلّى الله عليه وسلّم صاحب راية الحمد والشفاعة الكبرى فيقوم فيدعو الله، فتنصب الموزاين للحساب.
وفي النار يصوّر أبواب جهنّم وألوان العذاب المصفّدة خلف أبوابها، ثمّ يصف حوارها مع أهلها الذين تصلبهم على أعواد الجوع والظمأ حتّى يغاثوا بماء المهل وطعام الضريع إلى قوله:
وتبثّرَ في جسدِ الصمّتِ حسيسُ النّارِ
والوقّادونَ يَغُذُّونَ اللّهبَ المجنونْ
أجسادًا وحجارهْ [1]
أمّا صورة الجنّة فهي على النقيض ممّا عليه صورة النار، فهي زاهية الألوان وارفة الظلال تموج ألوانًا وتنوّعًا وجمالًا. فالحبّ يحلّ كلّ حناياها والوسن الناعس يداعب أجفان ساكنيها. وهناك يُسمع صوت الرحمن:
(اُدخُلُوها بسلامٍ آمنين) [2]
وتبدو أبوابها السبعة وكلّ باب يمتاز عن لاحقه فهذا (باب العُتبة) وذاك (باب الرحمة) وذلك (باب الريّان.... إلخ. عندها يخلع الإنسان أوزار الدنيا وأثقال النقص ليرتدي الحبرة الربانيّة ويحظى بعين العناية الرحمانيّة وتفنى روحه في فغمة الصمدية. يقول:
أحبيبَ التّوقِ انْحَرْ عَطَشي
فإليَّ... إليْ
أفغمني.. أفغمنْي
أواهُ
حبيبي
إنّي أفنى، أفنى، أفنى، أفـ.. ـنـ.. ـى [3]
ولعلّ أجمل ما في هذا الفصل المجالس التي يعقدها الشاعر في الجنّة على غرار مجالس المعرّي، ولكنّ هذه المجالس ثوريّة واجتماعيّة تذكر تاريخ العمّال والفلاّحين والكادحين والمناضلين ضد قوى الشرّ والطغيان.
ثمّ ما تلبث شخصيّتا المسرحيّة اللتان ظهرتا في بداية الرحلة أن تختفيا بعد أن تكشفا عن ثنويّة الضدّ التي تجمعها ورمزيّة الروح التي آلفتهما، يقول:
الدائرةُ الطّينيّةْ
الزَمنُ الإنسانيُّ
الجنسُ المنشطِرُ
(1) المصدر نفسه، ص: 161.
(2) سورة الحجر، الآية: 46.
(3) المصدر نفسه، ص: 178.