يبدأان الحوار فيرسمان ملامح الصورة الأخيرة من سفر الكون الذي سار به بنوه إلى حتفه الأخير، بعد أن سمّروا نعشه بالفساد والاضطراب والماديّة إلى أن يشقّ السكون الكوني صيحة إسرافيل يقول:
بوقُ إسرافيلَ يُنهي العالمَ المسجورَ فينا
وتهاوى النّاسُ أوراقَ خريفْ
كلُّ ما في الأرضِ ماتْ [1]
ثمّ يسود الصمت ما يشاء الله ليعلن الحقّ جلّ وعلا بدء الصيحة الثانية وينساب صوت الحقّ في خيمة الصمت فتعجّ الحركة في جسد الكون، ولكنّه نشاط مقيّد بإذن الإرادة الإلهيّة، فتنصت إلى همسة الأرواح التي تحوّم في رحلة العودة فوق الأجساد، ثمّ ينطلق اللحن العلويّ إيذانًا ببدء الحياة، فتظهر شخصيتا الشيخ والفتاة، لترويا مجريات الأمور، وربّما كانت الشخصيتان تمثّلان الضمير الإنساني لذلك نجد الشاعر يصرّ على بقائهما أولًا في الرحلة، ثمّ تبدأ الشخصيات بالظهور على ساحة الأحداث لترسم لنا واقعيّة الحدث، فمن كلّ الجهات، هذا رجل وتلك امرأة، وهنا صوت سماويّ، ملك وملكة، كلّ الشرائح الإنسيّة والجنيّة والغرائبيّة كالدجّال والجسّاسة وإبليس.. إلخ. وكلٌّ أصابه الذهول حيث عنت الوجوه للحيّ القيوم.
وفي الصيحة الثالثة تتجدّد الحياة في كلّ شيء ولكنه تجدّد الخوف والرهبة. فكلّ شيء يعود بعد طول اغتراب، إنّها مسرحيّة الحياة التي ينهي الرحمن فصلها الأخير فتتوالى الكرب ويمتدّ يوم المحشر أحقابًا ويقيّد الوقت في صفد اللحظة إلى أن يأذن الله بقوله عزّ وجلّ: (إلى ربِّكَ يومئذٍ المسَاقْ) [2] .
(1) القلعجي، عبد الفتاح رواس، القيامة، دار النفائس، بيروت، ط أولى، 1980، ص: 21.
(2) سورة القيامة، الآية، 30.