ربَّما قادَهُ لسكِّينِ جزَّا ... رٍ فيغدُو مِنْ بعدِهَا كالرَّميم [1]
وفي لجّة جهنّم يحاول الشاعر أن يتلمس مسالك النجاة ولكنّه لا يكاد يتخلّص من هاوية إلاّ ليقع في أخرى، ويطّوف معها في النار معانيًا شتّى أنواع العذاب، ويلتقي الشاعر إبليس في النار فيحاول الأخير ثنيه عن السعي إلى النعيم لأنّها والنار -في رأيه- وجهان لنقد واحد فيقول:
قَالَ إنَّ الفِردوسَ قَدْ أَجْدبَ اليو ... مَ فما فيهِ من وليٍّ حَميمِ
ولقَدْ جَاءَني رسولٌ منَ الجنَّـ ... ـةِ يشكُو إليَّ شكْوَى العديمِ
قالَ هذا وصدَّ عَنْ وجههِ الدَّا ... مي شُواظًا أهدتهُ ريحُ السَّمومِ
فتعجَّبْتُ من الرّاوي وقَهْقَهْـ ... ـتُ فَوْلّى وَقَالَ: أَنْتَ خَصيمي [2]
وفي النهاية يلتفت إلى حسنائه المغوية، وقد تغيّرت ملامحها حتّى صارت كأنّها هشيم الحطيم، وقد لفّها الحزن والندم والأسى على ما فوتّت إلى أن صارت قابلة للخلاص من الجحيم فيخرجان إلى الجنّة يقول:
واتّجهنا إلى السّموِّ كِلانا ... سَائرٌ في طريقِهِ المستقيمِ
ربَّما طّهَّرَ الجحيمُ نفوسًا ... شَقِيَتْ قَبْلَ طَهْرِها بالنَّعيم
أيّها النَّفْسُ بَيْنَ جنبَيكِ نَارٌ ... تَتَلظّى تفُوقُ نَارَ الجحيمِ
فارحَميني مِنْ الضّريمِ فإنِّي ... لَمْ أَذُقْ في اللّظى كهذا الضّريم [3]
وهكذا يطوف الفقي برحلته الخياليّة التطهيريّة في أهوال الجحيم آملًا أن يتخلّص ممّا دنّس نفسه من أوضار الماديّة وشوائبها الفاسدة، فلم يجد سوى النار وسيلة للخلاص منها، فساقها إلى حتفها لتتطهّر وتصبح جاهزة للتمتع بنعيم الراحة والطمأنينة قبل نعيم الجنّة.
إنّ رحلة الفقّي تعبير عن اليقين بفطرة النفس، ونقائها الأوّل، وقدرتها على التوبة، وعودتها إلى فطرتها، وهي تأكيد لقبول التوبة، فالخير أصيل في الإنسان والشرّ عارض، ولابدّ من زوال العرض وبقاء الجوهر.
(1) المصدر نفسه، ص: 223.
(2) المصدر نفسه، ص: 223- 224.
(3) المصدر نفسه، ص: 225.