فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 255

في عرض مفاجئ يُسمَع صوت الشاعر يخاطب نفسه بأن تسبقه إلى الجحيم، وفي عتوّ جارف وصلف لا تحدّه حدود يطلب إليها بأن تحثّ سكّان النار على انتظار هذا الزعيم القادم الذي لا يأبه لنار ولا لشواظ ولا لعذاب، فيقول:

اسبقيني إلى الجحيمِ فإنِّي ... سأوافِيْكِ في غَدي للجحيمِ

واطْلبي مِن سُراتِهِ أنْ يكونُوا ... عِنْدَ أبوابِهِ قُبيلَ قُدومي

أخبرِيهمْ أنَّ الزّعيمَ سَيأتِيـ ... ـكُمْ فَهُبُّوا إلى لقاءِ الزّعيمِ [1]

وهناك يلقاه شيطانه، وماذا يفعل الشيطان أمام من يدّعي أنّه زعيم على الشياطين وقد فاقهم في الإثم والشرّ، حتّى إنّ الأرض لتشكو من مباذله! وليس أمام الشيطان إلاّ أن يرفع له راية الإثمّ وعرفان الحمد على الشرّ الذي فاقه فيه ويجعل هذا الوافد الجديد يتقدّمه إلى النار يقول:

قالَ فيه شَيْطَانُهُ وَهْوَ يُطْريْ ... ـهِ لأَنْتَ الرّجيمُ مَوْلى الرَجيمِ

لستُ أدْرِي فأنْتَ في الشّرِّ مَوهُو ... بٌ وفي الإِثْمِ ضَاربٌ في الصّميمِ [2]

ولكن مَنْ هذه المخاطبة التي يخاطبها الشاعر؟ أهي نفسه الآثمة التي سبقته إلى الجحيم أم فتنته وضلالته في هذه الحياة، أم تراها محبوبته ملهمة الفجور والآثام؟ والأرجح أنّ المخاطبة هنا هي نفسه لأنّه يدعوها في نهاية القصيدة إلى التطهّر من الآثام بالنار لكي تحظى بالنعيم.

أخذ الشاعر في الجحيم يتحسّس من نفسه وهي تعاني عذاب الحريق، ويحمّلها أسباب شقائه، فقد ساقته إلى الآثام، وكانت دليله إلى المهالك والمهاوي فكم زيّنت له سوء عمله فرآه سرورًا وسعادة، في حين كانت تسوقه إلى الجحيم يقول:

أَنَا لَولاكِ لَمْ أكُنْ عَارِمَ الصبَّـ ... ـوةِ أعْنُو لِخَمرتي ونَديمي

ولِمَا تَنْصبينَ مِنْ شَرَكٍ اللّهـ ... ـوِ ومَا تشتَهينَ مِنْ تأثيمِ

قُدتني كالبعيرِ يَلهو بهِ الطّفْـ ... ـلُ خَطيمًا حينًا وغَيرَ خَطيمِ

(1) المصدر نفسه، ص: 222

(2) المصدر نفسه، ص: 222.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت