ويصف الشاعر مافي الشاطئ من خيالات ودياجير وموج متعال على موج وظلمات بعضها فوق بعض، وكذلك سفائن العمر وهي تمضي والوقت يقطع منها حبائل الآمال، وعزيف وادي الموت حتّى يكاد الشاعر يقطّع النفس من شدّة الهول فتنجده الآلهة وتقوده إلى بقايا الشاطئ ليرى قبر الليالي وقبر الحياة الذي راح يرشّه الزمان بدموع الرحمة والشفقة وتبدو ركائب الحياة تسير متهاديّة إلى مثوى الأحقاب حتّى تغيب في الضريح فلا يبقى منها غير طيف الخيال.
وفي نشيد (( السكون الحاكم ) )حيث تنتهي الحياة ويسود الصمت ويخيّم الفناء، يصرخ الشاعر في العدم مستجديًا أن يسمع شكواه، ويبدوأنّ الشاعر فقد أذن المصيخ له في عالم الحياة، فاستعان بروح الشعرليصل إلىهذا العالم العجيب ليبثّه شكواه فتراه يقول:
قِفْ وَدَعْنِي أَبْثُثْ إليكَ شُكَاتِي ... والتياعي مُهَمْهِمًا في أُذْنِكْ
لَمْ أَجِدْ في الحياةِ لي أُذُنًا تَسْـ ... ـمَعُ شَكْوَايَ أو فؤادًا حَنُونًا
وَلِذا قَدْ أَتيْتُ أَشْكُوكَ مَابِي ... فَلَقَدْ تَرْحَمُ الكَئيبَ الحَزِينا [1]
وفي النشيد الأخير وعنوانه (( ساحر الوادي المغني ) )يتخيّل الشاعر مغنيًّا يعبث بقيثاره في وادي الموت يغنّي أهل الفناء كما كان يغنّي ألحان الحياة، غير أنّ قيثاره قد تعطّل وطال صمته فيطلب منه الشاعر النهوض وبعث لحن الحياة في صمت الوادي ووحشته يقول:
سَاحِرَ الموتِ طَالَ صَمْتُكَ هيَّا ... رَجِّعْ اللَّحنَ أيُّهذا الشّادِي
قُمْ أيَا عازِفَ المنونِ وَغَنِّ ... وابْعَثِ النَّغْمَ فوقَ صمتِ الوادِي [2]
ثمّ يهتف به أخيرًا لبعث الألحان، داعيًا على تلك اليد التي عطّلت قيثاره عن بعث نسغ الحياة في وادي الموت، يقول:
لَهْفِي مَا أَرَاكَ تَبْعَثُ لَحْنًا ... فاخْبِرْ الشّعْرَ مادهى قِيثَارَكْ
سوءَةٌ لليدِ الّتي عَطّلَتها ... وَعَفْتْ في غِنائِها أَوْ تَارُكْ [3]
(1) المصدر السابق، ص 144.
(2) المصدر نفسه، ص: 145.
(3) المصدر نفسه، ص: 146.