فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 255

وهكذا كانت رحلة الهوني محاولة جادة للتطهّر من المفاسد الخلقيّة والاجتماعيّة التي سادت في مجتمعه وذلك باستجماع كلّ مالديه من طاقة الخيال الخلاّق ليستعيد بها لحظات من النقاء والطهر في عالم السماء كان قد تشوّق إلى العيش بها، ومن اللافت للانتباه أن هذه النهاية المأساويّة التي يرى فيها الشاعر خلاصه. فالخلاص كما يخبره آدم هو أن تطهّر الروح من أثقال المادة والجسد ولا يكون إلاّ بالموت، لذا يسيطر على الشاعر حسّ القهر الذي تلخّصه عبارة (( رغم الأنف ) )في قوله:

(( وأُرْجِعْتُ رَغْمَ الأَنْفِ لِلعَالمِ السّفلِي ) ) [1]

وهكذا وجد بعض الشعراء في توجّههم إلى عالم السماء والروح والأمل في تحقيق الخلاص المنشود الذي كانوا يحلمون به، وإن تباينت تطلعاتهم إلى ذلك الخلاص ووسائلهم إليه، فالشعر والفنّ عند المعلوف والفقّي رسالة إنسانية تحمل هموم الأدب التي أثقلتها قيود الحياة الماديّة المعاصرة. وبدا النزوع الرومانتيكي واضحًا في أماني بعض الشعراء اليائسة من صلاح الأرض، فكان الموت أمنية للخلاص من أوضار المادّية العمياء كما بدا ذلك لدى الهوني.

ولم ينس الشعراء وهم يحلّقون في فضاءات النقاء والصفاء أن ينظروا لمجتمعاتهم نظرة الفاحص الناقد الذي يكشف مافيها من زيف وفساد.

ثالثًا - رحلات إلى عالم الموت والآخرة.

(1) المصدر نفسه، ص: 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت