ثمّ يتحاور مع أحد الملائكة في جملة من الأمور منها قضيّة المعصية والطاعة، واستفسار الملائكة من الله جلّ جلاله عن جعل آدم خليفة في الأرض ثمّ يترك ذلك الملك، ليتقدّم إلى خيمة يقبع فيها آدم وحواء فيدهش لما فيها من جمال يأخذ بمجامع الألباب.
يقترب أكثر منهما ويستمع لحوار بين آدم وزوجته عمّا تغيّر من أحوال البشر على الأرض من بعدهما ومادبّ بينهم من مفاسد ودمار، ولكنّهما ينتبهان إلى الشاعر المراقب والمنصت للحديث فيطلب إليه آدم أن يدخل فيعرّفهما بنفسه، ويبثّهما شكواه من أحوال الأرض وتغيّر أوضاع الناس وانقلاب المفاهيم، وسيادة النفاق والكذب وازدراء العلماء وتكريم الجهّال، وانتشار أمراض القلوب وغيرها، الأمر الذي يدفع آدم إلى التبرّؤ من نسله وتمنّي حواء لو أنها كانت عقيمًا لم تنجب أبد الدهر.
ولكنّ لدى الشاعر رغبة عارمة في الخلاص من شرور أهل الأرض تجعله يطلب البقاء بين آدم وحواء ولكن هيهات أن يكون ذلك مالم يسبقه تطهير للروح من قيود الجسد ولا يكون ذلك إلاّ بالموت، يقول:
فَقُلْتُ أبي أَبْغِي المُكُوثَ بِسَاحِكُمْ ... مَلَلْتُ لَعَمْرِي عِيشَةَ الضَّنْكِ والذُّلِّ
فَقَالَ: مُكوثُ المرءِ عِنْدِي مُحرَّمٌ ... إذا لَمْ يُطَهَّرْ بالمَمَاتِ مِنَ الغِلِّ.
فَقُلْتُ: سلامُ اللّهِ ثمّ تركتهُمْ ... وأُرْجَعْتُ رَغْمَ الأَنْفِ للعَالَمِ السّفلِي [1]
(1) المصدر السابق، ص: 40.