وهكذا ربط الشاعر الفقيّ بين قصيدة (( الكون والشاعر ) )و (( الله والشاعر ) )، برباط مقدّس يجعل من الشعر رسالة إنسانيّة ترفع الشاعر إلى أعلى درجات الكمال حتّى يغدو صنو الأنبياء، ويتوافق هنا مع رؤية المعلوف التي ترى الشعر وسيلة تمنح الإنسان الخلود والنقاء اللذين يرفعانه فوق حاجات اللحم والدم.
أبونا آدم إبراهيم الهوني (1907) .
قصيدة (( أبونا آدم ) )في ديوان الشاعر إبراهيم الهوني موزّعة على الصفحات من 36 إلى 40 وقد بلغت أبياتها ستة وسبعين بيتًا على البحر الطويل الموحّد القافية والرويّ [1] وهي ترجع إلى عام 1948
إن روح الشاعر المستاءة ممّا تراه على الأرض من مفاسد تدفعه إلى ركوب جناح الخيال بعيدًا في عالم السماء لعلّه يجد مكانًا تتخلّص فيه نفسه من أوصابها وهناك يلتقي ببعض الملائكة يحاورهم في فكرتهم عن البشريّة مشيرًا إلى قصّة آدم مع الملائكة ثمّ يتابع انطلاقه إلىحيث يسكن آدم وحواء ويحاورهما في أحوال الناس وما آلت إليه أوضاعهم من فساد ويطلب البقاء لديهم لكنَّ آدم يخبره باستحالة مطلبه ما لم يتخلّص من الجسد بالموت.
يشقى إبراهيم الهوني، كدأب أهل الرحلات، بروحه الشاعريّة بين أهل الأرض، فهو يسعىبوعيه أو لا وعيه للبحث عن النقاء والصفاء فيفتش في هذه الأرض فلا يعثر علىضالته فيتخذّ من الخيال جناحًا يحلّق به.
وأين يجد الصفاء والنقاء؟ لاشكّ سيجده في عالم الملائكة والأرواح؟ فيصعد بين أطباق السماوات مراقبًا أحوال الملائكة بين السجود والركوع والقيام والقعود وكثرة التسبيح. عندها يتقدّم من ملك سرعان ما يعرف أنّه آدمي من أهل (( برقة ) )، فيتساءل الشاعر بدهشة عن قدرة المَلَكْ على معرفة الشاعر فيجيبه المَلَّكَ على تساؤله.
(1) الهوني، إبراهيم ، الديوان، مكتبة الأندلس، بنغازي، ليبيا، ط/أولى، 1996.