فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 255

وهنا تبدأ الرحلة حيث ينطلق الشاعر فيرتاد أجواز الفضاء ورحاب الكون، وكأنّه سليمان عليه السّلام يجوبها على بساطه الريحي ويلتقي في الجوّ الطير، ولكنّه لقاء الودّ والصفاء لا الإنكار والتطيّر كما حصل لفوزي المعلوف، ويشرق الحوار وفلسفته عن الروح الإنسانيّة التوّاقة إلى عناصر الجمال والصفاء والطهر يقول:

لَمْ يُزعجِ الطّيرَ عَلى كَوْنِهِ ... بَينَ جُموعِ الطَيْرِ إنسانَهُ

أكانَ يَدْرِي الطَّيرُ أَنَّ الذي ... صاحَبَهَا صاحَبَ أخدانَهُ [1]

ويستمع الشاعر إلى حديث الطير عن نفسها فتبدو متفائلة بالحياة، وأغلب الظنّ أنّ هذا التفاؤل فيض من روح الشاعر التي ملأها الإيمان فاطمأنّت به. وتتكّشف في حواريّة الشاعر والبلبل نظرة الشاعر للحياة، ورأيه في الناس الذين ملأ الزيف والخداع حياتهم حتّى صار الزيف طبعًا كأنّه جُبل في فطرتهم لذا يقول البلبل:

وَقَالَ إِنْ كُنْتَ تُريدُ الهُدَى ... فَهاكَ مِنْ طَبْعِي بُرْهَانَهُ

الزَّيْفُ في النَّاسِ وَأمّا هُنا ... فَالطّيْرُ لا يَخْدَعُ إِخْوَانَهُ [2]

وبعد حديث الطير ينطلق الشاعر محلّقًا في الفضاء ليشارف النجم ثمّ يرتقي إلى ماهو أبعد من النجوم وأطهر، إلى عالم الملائكة، ذلك العالم الذي لا يمكن خرقه -وفق المعتقد الإسلامي- لأنها ملئت حرسًا شديدًا فكيف لابن الطين أن يصل إلى هذا المقام السنيّ؟ لاشكَ إنّه الحلم، هذا العالم الغريب الذي كان خير مطيّة تخفّ بها الروح من أدرانها لتصل إلى أعلى المقامات لذا يقول:

تَبَاركَ اللّهُ فَكَمْ شَاعِرٍ ... يُطاولُ المُلكَ وَتيْجَانَهُ

لَمْ يَعرِفِ الذُّلَّ ولاقَيْنَهُ ... وَلا وَعَى المَكْرَ وأَشْطَانَهُ [3]

(1) المصدر السابق: ص:51.

(2) المصدر نفسه، ص:51.

(3) المصدر نفسه، ص:53.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت