وهكذا تنتهي رحلة المقدسي بعد أن رأت نفسه النور الذي كانت تبحث عنه، وتبدو النزعة الصوفيّة جليّة في هذه الرحلة التي ترى العلم والمعرفة عاجزين عن تحقيق السعادة التي تحتاج إلى الحبّ والعرفان سبيلًا لتحقيقها، وربّما نمّت هذه النزعة عن عداء ساد الواقع العربي الأدبي للعلوم التقنيّة، لاسيما أنّ هذا التقدّم أتى به الغرب الذي يريد استعمار البلاد، لذا دعت هذه الرحلات إلى الحبّ والفنّ ومنه الشعر سبيلًا لتحقيق السعادة الإنسانية أجمع.
الكون والشّاعر محمد حسن فِقّي (1912) .
جاءت القصيدة في مجموعة (( قدر ورجل ) )وهي مؤلّفة من سبعة وسبعين بيتًا على البحر السريع ورويّ واحد هو النون.
هي رحلة خياليّة يطوّف فيها الشاعر أجواز الفضاء يحاور سكّانه ويطرح تساؤلات كثيرة عن الخير والشرّ والموت، والحياة يفصح الشاعر فيها في النهاية عن تفاؤله في الحياة وإيمانه بانتصار الخير أبدًا وهزيمة الشرّ وانحساره.
يجرّد الفقّي من نفسه روحًا تخاطب روح الخلد التي هيّجت أشجان النفس، ويستحثّها الشاعر لتحمل روحه بعيدًا عن الأرض لتحرّر الروح من قيودها، قيود العبوديّة والجسد والقوانين الوضعيّة إذ لم تعد الروح تطيق حال الأرض التي استشرى الشرّ فيها فصارت له دولة وسلطان، ولكن هي الدنيا دَوْل بين الحقّ والباطل، فلابدّ أن ينتصر الحقّ ويزهق الباطل، وإذا انتصر الحقّ فلن يكون كالباطل في جبروته وغروره، لذا لن يعاقب الشرّ بما يستحقّ، بل سيحتضنه ويوجهه إلى مافيه نفع العالم أجمع، يقول:
وَهَلْ إِذَا الخَيْرُ أَتَاحَتْ لَهُ ... دُنْيَاهُ مَا يَكْفَلُ رَجْحَانَهُ
يُحَاسِبُ الشَّرَّ على ما جَنَتْ ... يَدَاهُ أَمْ يَمْنَحُ غُفْرَانَهُ
لكنَّهُ الخَيْرُ حَليمٌ فَمَا ... أَضلّهُ الحِلْمُ ولا شانَهُ [1]
(1) ساسي ، عبد السلام طاهر، شعراء الحجاز في العصر الحديث، القاهرة، 1951، ص:50.