ويسأل الشاعر المعريّ عن كيفيّة تحقيق هذه الطمأنينة لأنّه لا يزال أسير الشكوك والأوهام، ولا يزال القلب باهت الإيمان، فلا القلب ينجيه ولا العقل يرحمه، ويطرح في الحوار مع المعرّي قضايا مهمّة جدًا في الرحلات الخياليّة كالقدريّة والجبر والاختيار وشقاء أهل العقل والعلم، كما يتساءل عن العدل أمام الظلم في هذه الحياة، والموت المسلّط على الرقاب وأين يمكن للإنسان أن يجد السعادة؟
فقد بحث عنها في كلّ مكان، لقد فتّش النجوم والمقابر ورمم الموتى فلم يجد لها أثرًا، ثمّ يسأل المعريّ عن سبب وجوده في هذا المكان، فيقول:
فَقَالَ:قُضِيْ عَليَّ الدَّهْرَ أَنِّي ... أَكُونُ لِعَابِريِ الوَادِي دَليْلا
فأَرْشُدُ كلَّ ذي قلبٍ صَدُوقٍ ... وَأهْدِيْهِ إِذَا تَاهَ السَّبيلا
وأُخْرِجُهُ مِنَ الظُّلماتِ حتّى ... يَرَى في الأُفْقِ أَنْوارَ النَّعيمِ [1]
ثمّ يرشده المعرّي إلى السبيل الذي ينتصر فيه على أوهامه، إنّه الصبر والمصابرة أمام الشكوك والأهوال التي سيلاقيها، وهنا يبدأ النشيد الثالث (( تجلي النور ) )حيث تتجلّى الحقائق أمام الشاعر فلا يرى الخير إلاّ في العمل الشريف والحبّ الطاهر والقلب النقيّ، وعلى المرء ترك مالا يعنيه وما لا رجاء له في أن يراه بالبيّنات. ثمّ ينادي في النهاية ذلك النور الذي شعّ في أعماق روحه قائلًا:
فَيَا نُورًا تَلألأَ في الأَعَالي ... بَعْيدًا عَنْ يَقينِ ذَوِيْ اليَقِينِ
إليَكَ أتَيْتُ في ظُلُماتِ نفسي ... لِتَهْدِينْي إلى الحقِّ المُبينِ
لَعَلِّي بالغٌ بِكَ في حَيَاتِي ... مَقامًا ليسَ يُبْلَغُ بالعُلومِ [2]
(1) المصدر نفسه، ص:335.
(2) المصدر نفسه، ص: 335.