وفي النشيد الحادي عشر يبدو الشاعر حانقًا على الشرّ بداخله إذ تأبى الأرواح إلاّ وصفه بالشرّ والخراب والدمار والطمع والأنانيّة.
وفي النشيد الثاني عشر وهو بعنوان (( كفّارة الشاعر ) )يلتقي الشاعر روحه التي أقبلت تدافع عنه في عالم الأرواح وتصطفيه إليها لأنه قبل كلّ شيء شاعر ليس عمره كأعمار بني جنسه لأنّ عمره قطرة حبر سالت قافية على طرسه فحوّلت الدنيا أفراحًا وأغاريد. وهو يضحّي بروحه ويحرقها علىهيكل الخلود شمعة وضّاءة يقول:
جَاءَ مِنْ أَرْضِهِ يُفَتِّشُ عَنِّي ... بَائِسًَا فاخْشَعُوا احترامًا ليأْسِهْ
وَدُعُوهُ مَعِيْ فَفِيْ قُبُلاتِي ... شَهْدُ عَطْفٍ يُنْسِيهِ عَلْقَمَ كأسِهْ [1]
وفي النشيد الثالث عشر يعيش الشاعر لحظات الصفاء الخالدة مع روحه حيث تتضاءل أمام فرحته جبال الأرض وسهولها ووديانها وتحلّق حوله أغاريد الفرح تعزف على قيثاراتها أناشيد الحبّ ونغماته، فيقول:
وَعَذَارَى الأَرْوَاحِ تُنْشِدُ مِنْ بُعْـ ... ـدٍ بِصَوْتٍ ، اللّه في نَبَرَاتِهْ
رَافَقَتْهُ قِيْثَارَةُ الحُبِّ فانْسَلَّ ... أَنِيْنُ الأَوْتَارِ في نَغَمَاتِهْ [2]
وفي النشيد الأخير تنتهي الرحلة ليعود الشاعر إلى الأرض فلا يجد مؤنسًا له ولا مدّونًا للحظات الخلد هذه إلاّ قلمه ذلك الرفيق الذي ماخانه يومًا وما جافاه إن جافته الصحاب.
وهكذا سار فوزي معلوف حثيثًا نحو موطنه المحلّق حيث الروح تشدّه، تنزعه من عالم التراب ومطالب اللحم والدّم، ولكن متى يحقّق حلم الحريّة وتتحقّق تلك المعادلة الصعبة الراسفة به إلى قيوده؟ إنّ شعاع الأمل هوالذي يشقّ طريقه نحو الروح ولا يفتَّق هذا الوميض الأخّاذ إلاّ الشعر الذي يحمل له الخلاص المنشود. ولتغدو مطالب الفرد نزوعًا إنسانيًّا يحمل الحبّ والصفاء لكلّ البشر.
المعرّي يبصر أنيس الخوري المقدسي
(1) المصدر السابق، ص 151.
(2) المصدر نفسه، ص158.