وهكذا تنتهي رحلة رشيد أيوب إلى غايتها المرجوّة التي أرادها الشاعر لها، وهي أن تنبّه أولئك البشر الغافلين عن آي الإعجاز في خلق الله ولطيف صنعه في المخلوقات التي فطرها على أحسن حال، وربّما أراد أن يشير من طرف خفيّ إلى أن النفس البشريّة مكمن العرفان إذا ما هذّبت ونقّيت ممّا لحق بها من أوضار المادّية في ظلال المجتمعات المعاصرة. ويبقى السؤال قائمًا هل الحياة التي رأتها نفس رشيد أيوب حقيقية على المريخ أم أنّ الحلم لا يزال مستمرًّا؟.
على بساط الريح فوزي معلوف 1899-1930.
تتألف مطوّلة (( على بساط الريح ) )من خمسة وعشرين ومائتي بيت من الشعر موزّعة على أربعة عشر نشيدًا ينتظمها البحر الخفيف بقافية متنوّعة، طبعت في سان باولو، في البرازيل دون تاريخ بمقدّمة للشاعر الإسباني (( فرانسيسكو فيلا سبازا ) ). [1]
تبدأ الرحلة الخياليّة برحلة واقعيّة على متن الطائرة، وهناك في الفضاء تنفك قيود الروح لتحلّق بعيدًا بين الطيور والنجوم تحاورها وتجادلها وتستغيث بها لتلبيّ رغبة الشاعر في تحقيق وجوده الروحيّ في هذا العالم النقيّ لكنّها- أي روح الشاعر -لا تجد واحتها إلاّ بعد أن كاد الصدى يقتلها يأسًا، إذ تنبري الروح لعناقه والدفاع عنه ليعود الشاعر إلى موطنه الأرض بعد أن قضى لحظات خالدة في عالم الطهر.
يختار الشاعر في النشيد الأول (( مَلِكٌ في الهوَاءِ ) )الفضاء واحة لخياله الخصب يؤسّس فيها مملكة خياليّة تعجز عن نوالِها أيدي البشر وأطماعهم، لأنّها تملك قوّة الروح والخيال التي تحوّل المستحيل ممكنًا، فيقول:
يَاجَنَاحَ الخَيَالِ أَقْوَىَ جَنَاحٍ ... أَنْتَ يَلْوِي ظَهْرَ الرِّيَاحِ لِصَدْمِهْ
لَيْتَ شِعْرِي ما الشَّاعرُ ابنٌ لهذي الْـ ... أرضِ إلاّ بِلَحْمَهِ وَبِعَظْمِهْ [2]
(1) معلوف، فوزي، على بساط الريح، دار صادر، دار بيروت، 1958، بيروت، لبنان.
(2) المصدر نفسه، ص 63.