قَدْ كانَ في الرَكْبِ قَلْبي ... وَمُهجَتِي وَهَوايا
والعقلُ حَامِي السَّرايا ... والشَّوقُ زاجِي المَطايا
وفِي الهَوادِجِ حُلْمِي ... ورَغْبَتِي والطَوَايا
بَنَاتُ صَدْرِي وشِعْرِي ... والذّكْرَياتُ الحَظَايا [1]
وتغدو قيادة الركب صراعًا بين أفراده فكّل يريد أن يقود الركب إلى غايته المنشودة، ولكن هيهات فقد راحوا يتساقطون واحدًا تلو الآخر، ولكنّ الأمل ونشوة الحلم لا تزال تداعب نفس الشاعر في الوصول إلى غايته المنشودة فيستحثّ بقايا الركب إلى السير نحوها وإن عظمت الصعاب، فيقول:
يَاركْبُ يَا ركْبُ صَبْرًا ... لَمْ يَبْقَ إلاّ اليَسِيرُ
لاتَرْجِعُوا القِفَارَ ... فِيها الأمَانِي تَبُورُ
أَمَامَنا الطَّودُ فامضُوا ... إلى الشِّعَابِ المَسيرُ [2]
ويجمع الشاعر أشتات ركبه ويلوذ إلى نفسه ينقّيها إلى أن تصل غاية النقاء والطهر، عندها فقط تلوح له نار إرم في النشيد السادس، تلك النار التي رحل لأجلها، لأجل أن يملأ جوانحه من نورها الفيّاض ذلك النور الذي لن يبارحه حتّى يفرّق الموت بينهما فيقول:
إيْهِ ضَوئِي البَعيدْ ... لُحْ ولُحْ ما تُريدْ
لَيسَ طَرفِيْ يَحيدْ ... عَنْكَ حتّى يعودْ [3]
لتُرابٍ ودُودْ
هكذا يبدو واضحًا أنّ المعرفة هي رفيق الإنسان وأمله الذي لا يمكنه التخلّي عنه في حياته، لأنّ تخليه عنه يعني فقده هُويته الإنسانيّة، ولكن قبل أن يتشبث الإنسان بهذا الرفيق لابدّ أن ينقّي روحه ويخلّصها من أوضارها الماديّة التي ربّما تحوّل هذه الأداة الفاعلة دمارًا وحروبًا بعد أن كانت في روع الشاعر وكلّ ذي روح طاهرة أداة وجود وخير عطاء.
(1) المصدر نفسه، ص:189.
(2) المصدر نفسه، ص: 197.
(3) المصدر نفسه، ص: 197.