وفي النشيد الثالث (( الطلل الأخير ) )يجرّد الشاعر من نفسه واحة صوفيّة فيناجي ذلك الطلل مناجاة لهفة وحنين، غير أنّ الحيرة تملأ قلبه بالضياع والأسى، إذ يحاول أن يصل إلى راحة الروح التي طالما حلم بها، ولكنّه لا يصل إلى ذلك الصفاء رغم كلّ أحلامه في الوصول.
وفي النشيد الرابع ينحر الشاعر ناقة الوجد في القفر الأعظم ويقدّم قربان الجسد على مذبح الأسى والوفاء لعلّه يتخفّف من أوضاره المادّية المثقلة للروح، لتخفّ الروح إلى العُلى حيث السمّو والعلاء، غير أن الجسد يضيع في صحراء التيه فلا شيء يهدي هذه الروح إلاّ مزايا البذل والتضحية والفداء، لذا يحثّ النفس عليها لأنّها لن تصل إلىمنبع الإشراق إلاّ بهذه السجايا، عندئذٍ لا تهمّ المسالك، وأيًّا كانت سالكة أم غير سالكة فكلّها تؤدّي إلى الخلود في الحياة التي يأكل الفناء رواءها وإشراقها يقول:
يا نَفْسُ لا فرقَ عِندي ... في سَلْكِ أيّ الدّروبِ
تَقَدِّمي وَسيري ... إلى مَكانٍ بَعِيدِ
كلُّ الدّروبِ تُؤَدِّي ... إلى سَبيلِ جَديدِ
إنَّا وإِيَّاكِ رَكْبٌ ... عَلَى طريقِ الخلودِ [1]
ثمّ تدور مناجاة بين الشاعر ونفسه، يستحث الشاعر نفسه على أن تهديه بصفاتها ونقائها إلى الطريق الصحيح، فيصيح بأذن نفسه ليسمع صوت الفجر يهديه إلى حقيقة لا مفرّ من إدراكها، إنّها حقيقة انقضاء الحياة في عبث لا طائل منه، فالعمر يمضي مابين ليل وفجر، فيستغيث الشاعر نفسه أن تكفَّ عن تذكيره بأوزاره التي يحملها على ظهره، مرهقًا بأوجاعها. ورغم مايلوّح به الشاعر من روح الأمل فإنّ نزعة التشاؤم تسيطر على الأبيات.
وفي النشيد الخامس: وهو بعنوان (( القيروان ) )، وربّما أراد الشاعر بهذه التسمية الإشارة إلى مدينة القيروان التي كانت منبعًا للعلم والمعرفة في إفريقيّة بعد الفتح الإسلامي.
المفيد في الأمر أنّ الشاعر راح يتفقّد الركب ويجمع أشتاته فيقول:
(1) المصدر السابق، ص: 185.