وفي لحظة الإبداع ينفلت الخيال من صفد الواقع، يسعى الشاعر إلى الروح المشرقة فيتخذ لنفسه سميرًا-قد لا يكون سوى شعره- ليجدّ في السير نحو الطريق التي أشرقت بروقها في روعه، وارتسمت معالم الطريق إليها فأصيبت روحه منها بمسّ لطيف يكاد لا يفارقها. وهنا يكون النشيد الأول هو بعنوان (( أول الطريق ) ): فقد هامت روحه هُيام الأعمى الذي لا يحسن السؤال، ولا يعرف الطريق إلى هذا الروح الذي طاف به من عالم الخيال، وقد سارت إليه القوافل تباعًا ليس لها هادٍ إلاّ الروح لأنها المطيّة الوحيدة إلى منبع الإشراق الحقيقي.
يهيّئ الشاعر لنفسه المطايا ليكوّن الركب العجيب الذي سيقلّه إلى إرم الروحيّة، لذا تراه يسوّد القلب على ركبه ويجعله هاديًا لهم ومرشدًا إلى الحلم.
أمّا النشيد الثاني وهو بعنوان (( القلوب على الدّروب ) )فإنّ الشاعر والركب يمتحنان القلب بعد أن سوّداه على ركبهم ليمحّصا قدرته على قيادة الركب والوصول به إلى الغاية المرجوّة، لكنّه قائد يذوب من الحبّ ولا يصبر على ليل الأسى الذي يمتحن مطايا القلوب ويرميها بوابل من الشوق فيهيج طرف الشاعر بالدموع وتجتمع إلى صدره الهموم، حتّى يكاد ييأس من طلوع الفجر. فهل يستطيع القلب أن يكون مرشدًا ودليلًا إلى منبع الإشراق؟ وهاهي ذي الأجراس ترنّ بأسماع الشاعر، وليس رنينها إلاّ صدّىً لأنين الروح الملهبة بسياط الشوق والهيام، فيخشى الشاعر على ركبه من الشتات فيصيح:
يَا قُلوبًا غَدتْ نياقا ... سَامَها الوَقْدُ أَنْ تُساقَا
قَدْ سَرَى قَبْلَكِ الجَمالُ ... مَعَهُ النُّورُ والكَمالُ
فأسْرِعِي يَا قُلوبْ ... واهْتدِي بالطُّيوب [1]
(1) المصدر السابق، ص:184.