فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 255

لقد دفعت كثرة التفكير الشاعر إلى أن يتخيّل عالمًا نقيًّا صافيًا ترى فيه النفس استقرارًا وهناءة عند تحقيق ذاتها فكانت (( على طريق إرم ) )محاولة لتحقيق هذه الراحة بخوض غمار المغامرة وحضّ أدوات النفس على الصمود في مواجهة القلق الناجم عن سطوة الحياة المادّية ويظل في كفاح وجهاد، ومدّ وجزر إلى أن يصل إلى نار إرم التي ينشدها ويرى فيها خلاصه المؤمّل.

(( جاء في أساطير العرب أنّ(إرم ذات العماد) مدينة عجيبة بناها شدّاد بن عاد من حجارة الذهب واللؤلؤ والجواهر فكانت فتنة باهرة للعيون لا يقدر القادم إليها من بعيد أن ينظر إليها إذا واجهها في ضوء النهار، ثمّ أقفرت هذه المدينة العجيبة واختفت في الصحراء، فهي في مكان محجوب عامرة بقصورها السحريّة وكنوزها المباحة، ولكن لا وصول إليها، وقد طلبها كثيرون فهلكوا أو ضلّوا وعادوا قانعين من الغنيمة بالإياب. هذه إرم الأساطير. أمّا إرم الشاعر التي يتحدث عنها الناظم في ملحمته فهي (إرم) الروحيّة )) [1] .

إذن فللشاعر إرم أخرى غير المقصودة بالأسطورة، إنّها وليدة التفكير العميق بالنفس والحياة والخلود والموت، هذا التفكير الذي رسمت ملامحه حمأة الحياة المادّية، التي طغت على كلّ شيء في هذا العصر، لذا وجدنا أنّ الشعراء ارتدّوا إلى ذواتهم يصنعون لأنفسهم عالمًا من الخيال يلوذون به فرارًا من هذه الحياة المتعبة، يحلمون فيه بالدعة والطمأنينة ولو لحظات، ليعودوا بعدها إلى عالم الواقع، وقد حملوا معهم نشوة الحلم ليسيل المداد به.

(1) المصدر السابق، ص: 178.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت