فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 255

ثمّ يسأم الشيطان من دوره في الإغواء ويكفر بالشرّ العقيم، لأنّ الناس قد تساوت لديه في الهدى والضلالة، فينوب إلى الله ويتوب عن الإغواء، ومُحال أن يردّه الله، فيفتح له أبواب جنّته يختار منها المقام الذي يشاء عند مصبّ السلسبيل في زمرة من الملائك والحور والولدان المخلّدين يقول:

يَكْفُرُ الشَّيطانُ بالشّرِّ العُقامْ ... فَتَعُدُّ الكُفْرَ مِنْهُ نَدَما

وَتُنَجِّيهِ إلى دَارِ السَّلامِ ... وَقَدِيْمًَا قُلْتَ لا يَغْشَى الحِمَى

فَضْلُكَ اللّهُمَّ مِنْ غَيْرِ حِسَابْ ... وَكَذا اللّهُمَّ آلاءُ العَلِيمْ

نَزَلَ الشَّيطانُ مِنْ جَنَّتِهِ ... مَنْزِلًا يَرْضَى بِهِ الفَنُّ الجميلْ [1]

إلاّ أنّ الشيطان سرعان ما يسأم حياة النعيم لأنّه لم يصل إلى مقام الخلود المطلق، مقام الربوبيّة الذي لا يدانيه نقص، إذًا لابدَّ من الثورة والتمرّد، وهنا تصل روعة التصوير الشعري عند العقّاد ذروتها، حيث يقول:

وَبَدَا الشَّيْطانُ مَعْرُوفًا تَرَى ... كِبْرِيَاءَ الكُفْرِ في وِقْفَتِهِ

عَالَي الجَبْهَةِ يَأْبَى القَهْقَرَى ... وَتَوُجُّ النَّارُ مِنْ نَظْرَتِهِ [2]

ويحسد الشيطان الله على مقام الربوبيّة ويظنّ أن الله ظلمه لأنّه خلق فيه روح التمرّد والعصيان، فهو أسير إرادته، ولو أنه عصى الله بإرادته لوجبت لعنته لمخالفته أمر الله، ويعترض الشيطان علىالله الذي يهب الجنّة لعباده من السذّج الذين لا يطمحون بالنظر إلى الخلود المطلق ولا يفكّرون به مجرّد التفكير في حين يشقى هو بعقله لأنه ينظر إلى البعيد ويطمح إلى الخلود.

وتصل ذروة التمرّد لدى الشيطان حين يتحدّى ربّه بأنّه لن يسأله الرحمة والشفقة أبدًا، وأن يجعله حجرًا صلدًا وفتنة تجذب إليها النفوس والعقول فيقول:

وادْعُ في خلقِكَ يَسْجُدْ مَنْ رَجا ... خُلْدَكَ الأعلى فما نحنُ سُجودْ

(1) المصدر نفسه، ص: 282.

(2) المصدر نفسه، ص: 282.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت