فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 255

وتروي القصيدة سيرة شيطان ناشئ من ولد إبليس سئم الحياة التي خُلق لها فيتمرّد على هذه الخلقة والمهمّة التي تقتصر على الإغواء، ويتوب إلى الله عزّ وجلّ عن الشرّ فيجازيه الله عن توبته بالجنّة مسكنًا ومآبًا، ولكنّ روح الثورة لاتفارق هذا المخلوق فيرى أنّ أيّ منزلة دون الكمال الإلهي نقص وعيب فيطلب إلى الله في تحدّ صارخ أحد أمرين: إمّا الخلود الإلهي المطلق، وإمّا التحوّل حجرًا صلدًا تُخلّد فيه روعة الفنّ الجميل. يطالعنا العقّاد منذ البداية بمقدّمة فلسفية قوامها فكرة بسيطة هي أنّ الله خلق هذا الشيطان محنة للعالمين ووسيلة لتعليم الحكّام والملوك كيف يرمون من شاؤوا التخلّص منه بتهمة المروق والعصيان. يقول:

صَاغَهُ الرَّحمنُ ذُو الفَضْلِ العَمِيمْ ... غَسَقَ الظَّلمَاءِ في قَاعِ سَقَرْ

ورَمَى الأرضَ بِهِ رَمْي الرَّجيمْ ... عِبرةً فاسْمَعْ أعاجيب العِبَرْ [1]

ثمّ يقذف به من السماء إلى أرض الزنوج (( أولاد حام ) )فهم بجهلِهم وتخلّفهم أرضٌ خصبةٌ للإغواء، ولكنّه لا يبقى طويلًا حتى يُرمى به في سواحل أوربّة، يقول:

لَمْحَةٌ جَازَتْ بهِ مَشْرِقَها ... ثُمَّ رَدَّتْهُ حِيالَ المَغْرِبِ

وَيِشاءُ اللّهُ أَنْ يُوبِقَها ... فَاشْتَهَاهَا شهْوَةَ المُغْتَصِبِ

وارتضى فِيها مقَامًا رَغَدًا ... حَوْلَ بَحْرِ الرّومِ أوبَحْرِ العَجَمْ [2]

فيلبس عليهم الشيطان الحقّ ويخنس على القلوب، فإذا هي صراعات مرة مع الرغبات والشهوات والعادات والقوانين، غير أنّ كلّ هذا يكون بأسلوب تقريري لا أثر بالغ للتصوير الشعري فيه.

(1) المصدر نفسه، ص: 272.

(2) المصدر نفسه، ص 275.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت