ثمّ تعود السعلاة بالشاعر الفراتي بعد أن يأخذ منه إبليس المواثِيق بألاّ يخبر أحدًا بما جرى حتى يغدو شيخًا طاعنًا في السنِّ. ثمّ يعرض الفراتي لبعض العادات الشرقية السائدة في بلده، ولاسيما، المتعلقة بالأحزان ويشيد بالتآزر الذي يلقاه الإنسان المنكوب بمصيبة ما من أقاربه وذويه، فيقول:
فَأَلْفيتُ أبي المحزُو ... نَ طولَ اللّيلِ سَهَرانا
وَأَلفيتُ عَجُوزَ الخيـ ... ـرِ أمّي وَهْي مُحتارَهْ
تنوحُ وحَولَها العمّا ... تُ والخَالاتُ والجارَهْ [1]
وينقلب حال أهل الشاعر سرورًا بعد حزن عندما يتلقونه ويخبرهم
بما جرى له حسبما أوصته السعلاة أن يفعل ويطوي سرّ الحادثة إلى أن
يرويها في هذه القصيدة.
وهكذا انتهت رحلة الشاعر الفراتي بعد أن حلّق بخياله في عالم الجنّ والشياطين ذلك العالم الغريب، لا للتسلية والترفيه، وإنّما ليرسم ملامح موقفه من الحياة الاجتماعيّة التي صوّر كثيرًا من جوانبها وماكان ليرتحل إلاّ ليعرّض ببعض الجوانب الفاسدة، والتهافت وراء الشهوات والانخداع ببعض الفئات المدّعية التديّن، كما استطاع أن يرسم لوحة صادقة لمجتمع إنساني لا يزال يعيش أحاديث الجنّ وأساطير خرّافية. ولا يخفى تأثّر الفراتي في رحلته الخياليّة هذه بأسطورة شيطان الشعر الذي يلهم الشاعر أجمل القصائد.
ترجمة شيطان عباس محمودالعقّاد (1889-1964) .
جاءت قصيدة (( ترجمة شيطان ) )في ديوانه (( أشباح الأصيل ) )مؤلفة من (220) مائتين وعشرين بيتًا على بحر الرمل. موزّعة على شكل ثنائيات متّحدة القافية شغلت الصفحات من 272 إلى 289. [2]
(1) المصدر نفسه، ص: 280.
(2) العقاد، عباس محمود، ديوان العقاد، أشباح الأصيل، دار الكتاب العربي، بيروت، ص 272-289.