ثمّ يصوّر قصر إبليس فيتكئ في تصويره على خيالات وصور مستمدّة من عالم ألف ليلة وليلة، فهو قصر مشيد من درّ وماس، وأبوابه من الجواهر والذهب، وبناء القصر يغلبُ عليه الطابع الإسلامي ففي وسطه قبّة عظيمة وبهو كبير، ودعائمه من الذهب وتحفُّ بإيوانه ولجّته أشباح ومخلوقات عجيبة من الجنّ يقول:
إذا قَصْرٌ مَشِيْدٌ مَا ... لَهُ شِبْهٌ لَدَى النّاسِ
بِأْعَلَى رَبْوَةٍ قَدْ شِيْـ ... ـدَ مِنْ دُرٍّ وَمِنْ مَاسِ
وَفَوْقَ العَرْشِ إِبْلِيسٌ ... لَهُ عِزٌّ وَسُلْطَانُ [1]
ثمّ ينتقل الفراتي إلى وصف إبليس ومالديه من زينة وأدوات إغواء، حتّى إذا اقترب منه ناداه أبومرّة مستعطفًا إيّاه ومستغلًا سذاجته ليريه في مرآته أعاجيب عن الناس، ماكانت تخطر له ببال. فيرى الناس يتقاتلون على الدنيا كالوحوش الضارية ويرى تهافت الناس على الشهوات وغيرها من مهاوي الأخلاق، وكأنّه يؤكّد سطوة الشهوات والغرائز في رسم مصائر كثير من البشر، لأنّ كل الناس في رأي إبليس صريع الجنس والشهوة بدءًا بأبي البشر آدم. ويظهر إبليس تظلمه أمام الشاعر، فالله عزّ وجلّ، على حدّ زعمه، قد ظلمه أكبر الظلم حين تاب على آدم ولعنه إلى يوم القيامة، رغم أنّ آدم قد ركّبت فيه كلّ طباع السوء، فيقول:
وآدَمَكُمْ طِبَاعُ السُّو ... ءِ أجْمَعُ رُكِّبَتْ فيهِ [2]
وبعد هذه الحوارية يلتفت إبليس إلى الشاعر ليقدّم له هدية ثمينة، ألا وهي صولجان الشعر، فيقول:
أتدْري فيمَ جِئْنَا بِـ ... ـكَ في ذَا اللّيلِ مِنْ أهْلِكْ
فَعِنْدِي مِنْحةٌ مَخْبُو ... ءَةٌ في الغَيبِ مِنْ أجلِكْ
فذا الطّاوُوسُ قَد يُعطى ... لمزهُوّين بالفنِّ
فدُونَكَ صولجانَ الشِّعـ ... ـرِ خذْهُ وِهْبَةً مِنّي [3]
(1) المصدر نفسه، ص 271.
(2) المصدر السابق، ص 274.
(3) المصدر نفسه، ص: 278-279.