لقد تمثّل الشاعر في عبقر الحياة الإنسانيّة المعاصرة، التي تقوم على الصراع بين المادّية الطاغية والروح الإنسانيّة الطاهرة، فبدت عبقر كأنّها صورة ممسوخة لهذا المجتمع بكلّ ما فيه من تناقضات، وقد أراد الشاعر فيها أن يرسم موقفه من الإنسان، الذي بدا شريرًا بطبعه، والحياة الاجتماعيّة المتردية التي رسفت في قيود الرذيلة، وغلبة الشهوات، وقد ألبس شفيق مادته الأسطورية في هذه الرحلة رؤية إنسانيّة شفافة بعثتها بثوب جديد يتساوق والهدف الذي صرّح به شفيق في مقدّمة عبقر وهو بعث التراث الأسطوري العربي والتجديد في الشعر العربي المعاصر.
في حانة إبليس محمد الفراتي 1890-1978.
قصّة شعريّة نشرها الشاعر في ديوانه النفحات في حوالي 1956-1957 وهي مؤلّفة من خمسة وستين ومائة بيت على بحر الهزج منوّع القوافي.
وتدور أحداث القصّة في طفولة الشاعر عندما يلتقي جنيّة تغريه بالحلوى لتسوقه خلفها نحوعالم إبليس حيث يلتقي هناك أبا مرّة ويدور بينهما حوار طويل ينتهي الحوار إلى هدّية يقدّمها إبليس لهذا الطفل الناشئ، هي موهبة الشعر على أن يحتفظ الطفل بالسّر إلى أن يكبر وإلاّ فسيصاب بالخبل انتقامًا تقوم به الشياطين والجنيّة لذلك.
يقصّ علينا الشاعر، وهو شيخ طاعن في السنّ ماكان في طفولته من لقائه جنيّة أخذت تناديه وتغريه بالحلوى لتستجرّه وراءها بعيدًا عن الدور، ثمّ لتأخذه إلى أعماق الأرض حيث تقطع به مسافة طويلة ليقف أمام ظلمة داجية وتصيح بكلمة سحريّة تشقُّ دياجي الظلمة، لتضيء تحتها دور وبساتين لا نكاد نلمح فيها شيئًا يتميّز عن عالمنا الأرضي يقول:
إِذْا بِالأَرْضِ قَدْ ضَاءَتْ ... وَبَانَتْ تحْتَها دُوْرٌ
وَقَدْ حَفَّتْ بِتِلْكَ الدُّو ... رِ أَنْهَارٌ وَجَنَّاتٌ
وَعَنْ بُعْدٍ تَرَاءَتِ لِي ... صَحْرَاءٌ وَوَاحاتٌ [1]
(1) المصدر السابق، ص: 270.