وهكذا بدت رحلة التوابع والزوابع كمحاولة جديدة استطاع الشاعرمن خلالها طرح آرائه الشعرية والأدبية والعقلية، وصبّ جام غضبه على خصومه وحاسديه، ورسم من خلال صورة فكهة ونادرة بعضًا من ملامح المجتمع الأندلسي في عصره. [1]
ثم جاءت رسالة الغفران للمعري (363-449 هـ) ، وتقسم إلى قسمين رئيسين يضمّ الأوّل: الرحلة إلىجنّة الغفران وجحيمه، ويضمّ الثاني: الردّ على رسالة ابن القارح، علي بن منصور، ويهمّ الدراسة القسم الأوّل من هذه الرسالة وفيه نجد ابن القارح في فردوس الغفران، حيث يعقدمجالس الأدب والمنادمة ويصطفي له ندماء من اللغويين والنحويين أمثال: المبرّد، وابن دريد، والمفضّل الضبّي، والأخفش الأوسط، وثعلب، والخليل، وغيرهم. ثمّ يطوف في رياض الجنّة ويلتقي الشعراء الجاهليين -ممّن غفر الله لهم- والإسلاميين، ويطارحهم الشعر والقريض، ويجلس إلى الأعشى وزهير وعبيد والنابغة الذبياني والجعدي وأبي ذؤيب الهذلي، ويعرض لأسباب دخول هؤلاء الجاهليين الجنّة وتتداخل الأحداث وتتسارع بين جدال وشجار ونقد وتعريض، ويلتفت بعد ذلك المعرّي بابن القارح خطفًا إلى الوراء ليروي ابن القارح على أسماع الشعراء وقائع الحشر والقيامة، وماكان فيها من أحداث مهولة وما لقيه ابن القارح من عنت، حتّى فاز بشفاعة آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(1) ينظر: ابن بسام، الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، تح جامعة القاهرة، 1939، لجنة التأليف والترجمة والنشر، ج4، ص: 106-109.