وهي قصيدة ماجنة فيطرب لها الشيخ ويشهق ويزعق، فيقول له الإسكندري: قبّحك الله من شيخ، لا أدري أبنتحالكِ شعر جرير أنت أسخف أم بطربك من شعر أبي نواس وهو فويسق عيّار؟ ... فيردّ عليه الشيخ ردًّا طويلًا مسجوعًا، على عادة الهمذاني ليكتشف الإسكندري أن الشيخ الذي قابله هو شيطان شعر جرير، وهو الذي ألهمه النونية التي مرّ مطلعها [1] .
ولقد استفاد الهمذاني في رحلته الخياليّة تلك من أسطورة شيطان الشعر المشهورة، فكانت سابقة فريدة في الأدب العربي تبعتها تجارب مشابهة وربّما كانت مستقاة من جوهرها كرحلة التوابع والزوابع لابن شهيد.
وقد استوحت رحلة التوابع والزوابع لابن شهيد (382-426هـ) ، فكرة المقامة الإبليسية، حيث يرتحل ابن شهيد مع بنات أفكاره محلّقًا على أجفان الرؤى، مبتكرًا شيطان شعر خاصًّا به ينقله إلى أودية الجانّ، ليلتقي من يشاء من شياطين الشعراء وقرنائهم من الجنّ، ويطارحهم الشعر والنثر وفنون الأدب، ويسألهم عمّا ألهموه لأدبائهم من شعر ونثر وينشدهم بعض شعره. وهو في مطارحته كلّها يحكم على نتاجات من سبقوه ويبدي آراءه في أشعار خصومه من الشعراء خاصّة، وغايته في ذلك كلّه إثبات علو كعبه، والمفاخرة بمكانته العلمية والأدبية متخذًا من إجازات فحولهم شهادات فخر له، ويعرض ابن شهيد في توابعه لشيء من الظواهر الاجتماعية السائدة في عصره، كالحبّ والغزل اللذين صارا مرضًا لا يكتفي بالناس، بل يمتدّ إلى حيواناتهم، وغايته من ذلك التفكّه والتندّر في هذه الرحلة.
(1) ينظر:الهمذاني، بديع الزمان، شرح مقامات بديع الزمان، تح.محمد محيي الدين عبد الحميد، ط، ثانية، ص: 253-277.