فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 255

وهكذا كانت الرحلة الخياليّة في الملاحم المذكورة وسيلة للإنسان القديم للوصول إلى عالم الموتى المجهول تارة، وصفحة يستشرف من خلالها الرحّالة آفاق المستقبل وغامض الغيب تارة أخرى، كما تبدو الرحلة الخياليّة صورة معكوسة للحياة الاجتماعية في عصر صاحب الملحمة.

ثمّ جاء الإسلام فأعطى المسلمين تصوّرًا غنيًا وعميقًا عن اليوم الآخر، وهو حقّ وصدق، كما أغنى خيالهم، وأشبع نفوسهم، وأراح أرواحهم بحديث الإسراء والمعراج، وكان الاعتقاد به ركنًا من أركان الإيمان لديهم، ولذلك استقر في نفوسهم وأشبع لديهم الرغبة في معرفة العالم الآخر.

ولهذا كلّه لم يظهر نصّ أدبي يتصوّر الرحلة إلى العالم الآخر إلاّ في عصور متأخرة، ولعلّ أول ما ظهر في هذا المجال هو قصة الإسراء والمعراج التي توسّعت في حديث الرسول عن الإسراء والمعراج، وهي نصّ شعبيّ نسب إلى ابن عباس رضي الله عنهما.

الرحلات الخيالية في الأدب العربي والأدب الغربي

ظهرت المقامة الإبليسيّة لبديع الزمان الهمذاني (358-398هـ) ، وخلاصتها أنّ أبا الفتح الإسكندري، بطل المقامات، فقد إبلًا له فخرج في طلبها، حتّى ساقته الأقدار إلى وادٍ أخضر فيه أشجار باسقة وثمار يانعة وأزهار منوّرة، ويلتقي في ذلك الوادي شيخًا يجلس على الأرض، فيأنس لحديثه ويبادله القول إلى أن يسأله الشيخ إن كان يروي شيئًا من أشعار العرب فينشد لامرئ القيس وعبيد ولبيد وطرفة، لكنّ الشيخ لا يطرب له، فيطلب إلى الإسكندري أن يسمع فينشده قول جرير:

بَانَ الخَليطُ ولو طَوَّعْتُ ما بَانَا ... وقطّعُوا من حِبَالِ الوصْلِ أقْرانَا

فيستغرب الإسكندري منه أن نسب القصيدة لنفسه ويسأله عن سبب ذلك الادعاء، فيتهرّب الشيخ من السؤال بسؤال عن شعر أبي نواس فيسمعه الإسكندري قول أبي نواس:

لا أندبُ الدّهْرَ رِبْعًَا غَيرَ مأنُوسِ ... ولسْتُ أصْبُو إلى الحادينَ بالعيسِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت