ففي هذين الحديثين دليل على جواز استدامة الطيب بعد الإحرام وأنه لا يضر بقاء لونه ورائحته .
وظاهر حديث يعلى بن أمية يدل على خلاف ذلك وأن استدامة الطيب كاستدامة اللباس ، ولذا أمره بغسل أثره من الثوب والبدن.
لكن أجاب عنه أهل العلم بجوابين:
الأول: أن قصة يعلى كانت بالجعرانة وهي في سنة ثمان، وحديث عائشة كان في حجة الوداع سنة عشر، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من الأمر .
الثاني: أن المأمور بغسله في قصة يعلى إنما هو الخلوق لا مطلق الطيب، فلعل علة الأمر فيه ما خالطه من الزعفران ، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - النهي عن تزعفر الرجل مطلقًا محرمًا أو غير محرم (1) .
ب - شم الطيب بلا قصد ، كما لو دخل سوقًا من أسواق مكة فشم طيبًا بلا قصد ، وكما لو قبل الحجر الأسود ثم شم الطيب الذي فيه بلا قصد ، فهذا مستثنى ولا إثم عليه ، ولأن شمه هنا تابع ، ويثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا.
ج - الروائح المطيبة كالريحان والزعفران لا يلحق بالطيب ، لكن تركها أولى، ومثلها المنظِّفات المعطَّرة والصابون المعطَّر تركها أولى .
قال ابن عباس رضي الله عنهما:"يشم المحرم الريحان ، وينظر في المرآة ، ويتداوى بما يأكل الزيت والسمن" (2) .
وقال الإمام أحمد في رواية عنه: المحرم يشم الريحان ليس هو من الطيب (3) .
قال ابن المنذر:"أجمع العلماء على أن للمحرم أن يأكل الزيت والشحم والسمن والشيرج ، وأن يستعمل ذلك في جميع بدنه سوى رأسه ولحيته ، وأجمعوا أن الطيب لا يجوز استعماله في بدنه ، ففرَّقوا بين الطيب والزيت في هذا، فقياس كون المحرم ممنوعًا من استعمال الطيب في رأسه أن يباح له استعمال الزيت في رأسه" (4) .
(1) …"شرح العمدة"2/81- 82 ،"الفتح"3/395 .
(2) … أخرجه البخاري عنه معلقًا 3/396 .
(3) …"شرح العمدة"2/91 .
(4) …"الإجماع"ص19-20.